اللقاحات بين العلم والهلع.. من يشعل نار الخوف في أجسادنا؟

في مساء هادئ، تتلقى أم رسالة صوتية عبر WhatsApp تتحدث عن وفاة طفل بعد تلقي لقاح روتيني، وتحذر من “حقن سامة”. يتفاعل قريب بإرسال رابط من TikTok يدعي أن اللقاحات تسبب العقم. تنتشر هذه المخاوف والشكوك بسرعة، مدفوعة بالروايات المشحونة عاطفياً، ومغرية بالاعتقاد في نظريات المؤامرة، مما قد يدفع بعض الآباء إلى التردد في تطعيم أطفالهم، لا بناءً على بيانات علمية، بل بدافع الخوف.
تعد اللقاحات من أعظم إنجازات الطب الحديث، فقد أنقذت ملايين الأرواح وساهمت في القضاء على أمراض فتّاكة. ومع ذلك، يزداد انتشار الشك والرفض للقاحات في مجتمعات مختلفة، بما في ذلك منطقتنا، وذلك بتأثير كبير من وسائل التواصل الاجتماعي، والاستقطاب السياسي، وتآكل الثقة بالمؤسسات الصحية.
تقع البشرية في مساحة هشة بين الحذر العقلاني والذعر المقعد، حيث يحاول العلم جاهداً أن يجد صوته في ظل ضجيج الخوف الجماعي. تستكشف هذه المقالة كيف تتشكل المخاوف الصحية غير المستندة إلى أساس علمي، وأين ينتهي التشكيك المشروع ويبدأ التفكير التآمري، وما الذي يمكن أن تخسره المجتمعات نتيجة انتصار الخوف على العقل.
كيف تنشأ المخاوف غير المستندة إلى أسس علمية؟
لا يقيم البشر المخاطر بنفس المنطق الآلي الذي تتبعه الآلات. نحن نتأثر بشكل كبير بالقصص، والمشاعر، والصور، أكثر من تأثرنا بالأرقام المجردة. هذا التفاعل العاطفي يؤثر بعمق على نظرتنا للقاحات.
إحدى الآليات النفسية الهامة هي ما يسميه الخبراء “تحيز الإتاحة”. هذا التحيز يجعل الأحداث الحية والمثيرة عاطفياً، والتي يسهل استحضارها في الذاكرة، تبدو لنا أكثر شيوعاً مما هي عليه في الواقع.
فبالنسبة لنا، يظل تقرير نادر عن رد فعل سلبي شديد بعد لقاح، أو مقطع فيديو لشخص يغمى عليه بعد حقنة، عالقاً في الذهن أكثر بكثير من الرسوم البيانية التي توضح ملايين الجرعات الآمنة. إن قصة مأساوية واحدة قد تطغى على مجموعة كبيرة من البيانات المطمئنة.
ينتشر الخوف بسرعة تفوق سرعة انتشار الطمأنينة. وقد صُممت منصات التواصل الاجتماعي لتعزيز التفاعل، حيث تنتقل المحتويات التي تثير الصدمة أو الغضب أو الشك بشكل أوسع من الشروحات المدروسة. ادعاءات مثيرة مثل “هذا اللقاح سيغير حمضك النووي” أو “آلاف ماتوا والصامتون يكذبون” تجد طريقها بسهولة إلى مقاطع الفيديو القصيرة أو الصور المتداولة، بينما لا تجد الحقائق المعقدة حول كيفية اختبار اللقاحات ورصدها وتحسينها المساحة الكافية.
تلعب المنظومات الفكرية والاعتقادية دوراً هاماً أيضاً. بالنسبة للكثيرين، فإن فكرة “الصحة الطبيعية” تحمل جاذبية أخلاقية عميقة. يمكن تصوير اللقاحات على أنها “مصنعة” أو “كيميائية” أو “غريبة”، بينما يعاد تقديم العدوى المرضية على أنها مرحلة طبيعية من الطفولة تعزز المناعة. وعندما يترافق ذلك مع عدم ثقة متجذرة في شركات الأدوية أو المؤسسات الحكومية، يصبح المناخ مهيأً للشك.
تتضاعف هذه العوامل في أوقات الأزمات. في أوقات الأوبئة، أو الأزمات الاقتصادية، أو الاضطرابات السياسية، يبحث الناس عن تفسيرات بسيطة وخصوم واضحين. في هذه اللحظات، تبدو الروايات التي تلقي باللوم على “أياد خفية” أو مؤامرات خارجية أو نخب فاسدة مسؤولة عن المرض واللقاح، أكثر إغراءً. إنها تحول حالة الفوضى إلى قصة، حتى لو كانت تلك القصة زائفة.
شيئاً فشيئاً، قد ينتقل الوالدان من منشور مقلق واحد إلى متاهة من المقاطع ومجموعات النقاش التي تقترحها خوارزميات التواصل الاجتماعي، ليخرج أحدهما مقتنعاً بأن رفض اللقاحات هو فعل حماية وشجاعة.
بين البحث العلمي الدقيق وإجراءات طب الكوارث
في الظروف العادية، يستغرق تطوير لقاح جديد سنوات عديدة، يمر خلالها بمراحل اختبار صارمة: أبحاث مخبرية، ثم تجارب سريرية متعددة المراحل لتقييم السلامة، والجرعة المناسبة، والفعالية. يلي ذلك تقييم تنظيمي دقيق ومتابعة مستمرة بعد طرح اللقاح في الأسواق.
لا تعتبر هذه الوتيرة مجرد إجراء بيروقراطي، بل هي آلية حماية أساسية تهدف إلى تقليل المخاطر المحتملة قبل وصول اللقاح إلى الجمهور. ولكن، في أزمنة الأوبئة الكبرى، تدخل مبادئ “طب الكوارث” حيز التنفيذ.
عندما يهدد مرض سريع الانتشار حياة أعداد هائلة من الناس، يصبح التحدي هو الموازنة بين المخاطر المحتملة وغير المكتملة المعطيات، وبين الأضرار المؤكدة والراهنة. في هذه الحالة، قد يتم تسريع بعض الخطوات من خلال دمج مراحل من التجارب، وتخصيص موارد ضخمة لإجراء أبحاث متوازية، ومنح تراخيص استخدام طارئة مع استمرار جمع البيانات ومراقبة السلامة.
هذا التسريع لا يعني تجاوز أسئلة السلامة والفعالية، بل هو تغيير في ترتيب تناول هذه الأسئلة وطريقة التعامل معها تحت ضغط الوقت. ففي طب الكوارث، لا يكون السؤال هو “هل اللقاح خالٍ تماماً من المخاطر؟” بل “هل مخاطره، بناءً على المعطيات المتوفرة حالياً، أقل بكثير من مخاطر ترك الناس بلا حماية؟”.
فهم هذا المنطق ضروري لوضع قرارات التطعيم في سياقها الأخلاقي والإنساني. ورغم أن الفرق بين الوتيرة العادية والتسريع الاضطراري قد يغذي الشكوك ويفسر خطأً على أنه إهمال أو مؤامرة، إلا أنه في جوهره استجابة مدروسة لظروف استثنائية.
متى يكون التشكيك بناءً ومفيداً؟
العلم نفسه يقوم على مبدأ الشك وطرح الأسئلة؛ فهذه ليست تهديداً له، بل هي محركه الأساسي. التحدي يكمن في التمييز بين التشكيك المشروع الذي يخدم الصحة العامة، وبين التفكير التآمري الذي يقوضها.
التشكيك المشروع ينبع من الأدلة: كيف تم اختبار اللقاح؟ ما هي آثاره الجانبية المعروفة؟ ما مدى شيوع المضاعفات الخطرة؟ وما هي أنظمة الرصد الموجودة بعد الترخيص؟ هذه أسئلة مشروعة يجب على مقدمي الرعاية الصحية الترحيب بها.
في هذا الإطار، تظل الاستنتاجات العلمية مؤقتة، وتتغير التوصيات مع ظهور معطيات جديدة. خلال جائحة كوفيد-19، تغيرت الإرشادات المتعلقة بالكمامات، والجرعات التعزيزية، والفئات ذات الأولوية. قد يبدو ذلك تناقضاً للبعض، لكنه في الواقع يعكس جوهر عمل العلم القائم على تحديث المعرفة باستمرار.
الشفافية بشأن أي قدر من عدم اليقين هي سمة للعلم الجيد. فالهيئات الصحية التي تعترف بوجود آثار جانبية نادرة، وتشرح آليات اكتشافها، وتعدل سياساتها بناءً على ذلك، تبني ثقة أعمق على المدى الطويل، حتى عندما تكون المعلومات غير مريحة.
أما السرديات التآمرية فهي مختلفة نوعياً؛ فهي تفترض أن المؤسسات شريرة بطبيعتها، وتصور الحكومات وشركات الأدوية والعلماء كأنهم كيان متآمر يخفي الحقيقة. هذه الأنظمة الفكرية مغلقة: أي دليل يتعارض معها يعاد تأويله كجزء من التستر، ولا يوجد دليل يمكنه زعزعة الإيمان الأساسي.
تضخم وسائل التواصل الاجتماعي هذه الديناميكيات من خلال رسائل عاطفية سهلة التداول. وتدفع الخوارزميات المستخدمين نحو محتوى أكثر تطرفاً، مما يخلق “فقاعات” مغلقة يصبح فيها التفكير التآمري مفهوماً تلقائياً.
إن أثر ذلك على الصحة العامة واضح؛ فالأبحاث تشير إلى أن الأشخاص الذين يتبنون هذه المعتقدات يكونون أقل ميلاً للإقبال على اللقاحات، لأنفسهم أو لأطفالهم. وقد يؤدي التعرض المستمر لمثل هذه السرديات إلى تقليل استعداد المترددين أساساً للتطعيم.
فهم الفرق بين الشك المنفتح الذي يبحث عن الأدلة، والشك المغلق الذي يركز على النوايا الخفية، هو شرط أساسي لمعالجة الخوف دون إسكات الأسئلة المشروعة.
تأثير الخوف على صحة المجتمعات
الخوف والمعلومات المضللة لا يظلان حبيسي الدردشات الخاصة وسلاسل التعليقات. بل يتجسدان في العيادات، والمدارس، وأجنحة المستشفيات، محدثين أثراً ملموساً على الصحة العامة.
في السنوات الأخيرة، شهدت دول كانت تتمتع بنسب تطعيم مرتفعة للقاحات الأطفال، تراجعاً في معدلات التطعيم الروتيني. وعندما تنخفض نسبة التغطية إلى ما دون عتبة معينة، قد تعود أمراض كانت نادرة إلى الظهور.
على سبيل المثال، تتطلب الحصبة مستوى عالياً جداً من المناعة المجتمعية للسيطرة عليها. أي انخفاض بسيط في نسبة التطعيم قد يؤدي إلى اندلاع موجات وبائية، مهدداً ليس فقط الأطفال غير المطعمين، بل أيضاً الرضع غير المؤهلين لتلقي اللقاح والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة.
ربطت تقارير الصحة العامة بين تصاعد الخطاب المناهض للقاحات، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبين انخفاض الإقبال عليها وارتفاع معدلات الأمراض التي يمكن الوقاية منها. وخلال جائحة كوفيد-19، أدت المعلومات المضللة حول أمان اللقاحات وضرورتها إلى تأخر أو رفض قبولها، خاصة لدى الأطفال والمراهقين. وكانت المجتمعات الأكثر تعرضاً لهذه المعلومات هي الأقل تلقيحاً والأشد تضرراً من الجائحة.
لا تقتصر العواقب الخطيرة لهذه الظاهرة على انتشار العدوى وحدها. فالعزوف الواسع عن التطعيم يفرض أعباءً إضافية على الأنظمة الصحية، من زيادة حالات الاستشفاء والضغط على وحدات العناية المركزة، إلى مزاحمة الرعاية المخصصة لأمراض أخرى مثل أمراض القلب والسرطان.
وقد يؤدي الخطاب السياسي المثبط إلى تفاقم الوضع، حيث يقوم مسؤولون أو شخصيات عامة بالتشكيك في اللقاحات أو نزاهة الجهات الصحية، مما يمنح شرعية للسرديات الهامشية. وفي بعض البلدان، تحول رفض اللقاح إلى مؤشر على الانتماء السياسي، مما يزيد من صعوبة النقاش العلمي.
على الصعيد العالمي، تصف منظمات الصحة الكبرى المعلومات المضللة حول اللقاحات بأنها تهديد خطير للصحة العامة، لا يقل خطورة عن الأمراض نفسها. فالمعلومات المضللة لا تنشر الأخطاء فقط، بل تقوض الثقة في المؤسسات الصحية.
كيف نحمي العلم ونحافظ على سلامة الأفراد؟
إذا كانت المشكلة ذات أبعاد نفسية واجتماعية، فلا بد أن يكون جزء من الحل إنسانياً بالدرجة الأولى، وليس تقنياً فقط. إن مكافحة الخوف الضار لا تهدف إلى وصم المترددين، بل إلى إعادة بناء الثقة.
على مستوى الأفراد والأسر، فإن نقطة البداية هي تبطيء ردود الفعل العاطفية. قبل إعادة توجيه رسالة مقلقة، يمكن طرح أسئلة مثل: ما هو مصدر هذه المعلومات؟ ما مصلحة هذا المصدر؟ وهل هناك جهات مستقلة وموثوقة تؤيد أو تنفي هذا الادعاء؟ التحقق المتكرر يمكن أن يضعف انتشار الشائعات.
يجب أن يشعر الأفراد بالارتياح لمناقشة اللقاحات مع مقدمي الرعاية الصحية الذين يثقون بهم، بدلاً من الاعتماد على المؤثرين أو الحسابات المجهولة. كما يجب أن يحصل العاملون في مجال الصحة على الوقت والتدريب الكافي للإجابة عن الأسئلة باحترام. فالتصريحات المتعجلة مثل “لا تسأل، فقط نفذ” تضر أكثر مما تنفع الحوار البناء.
على مستوى المجتمعات، يجب أن تكون الرسائل متعاطفة وحساسة ثقافياً. إشراك القيادات المحلية، والمعلمين، والأئمة، والناشطين، وكبار السن من العائلات، يربط التوصيات الرسمية بالاهتمامات اليومية. وعندما يتحدث شخص موثوق به عن تطعيم أطفاله، فإن الرسالة تحمل وزناً مختلفاً.
للإعلام مسؤولية كبيرة أيضاً. فالعناوين المثيرة أو التي تساوي بين الرأي العلمي الراسخ والآراء الهامشية تضخم الخوف. الصحافة المسؤولة تضع المخاطر في سياقها الصحيح: مدى شيوعها، وكيفية اكتشافها، والفوائد المتوقعة من اللقاح للفرد والمجتمع.
على المستوى الهيكلي، تشكل منصات التواصل الاجتماعي جزءاً من المشكلة والحل في آن واحد. فهي مصدر للمعلومات المضللة، لكنها أيضاً قناة للتواصل الصحي السريع والموجّه. إن التعاون بين السلطات الصحية والمجتمع المدني لتحسين الإشراف على المحتوى، وتعزيز موثوقية المعلومات الصحيحة، وتقوية التربية الإعلامية للمستخدمين، أمر حاسم، على الرغم من تعقيدات حرية التعبير ومسؤولية الشركات.
في نهاية المطاف، يرتبط تعزيز الثقة باللقاحات ارتباطاً وثيقاً بالثقة في النظام الصحي. فالعيادات المزدحمة، والموارد الشحيحة، وسوء المعاملة، تقلل من استعداد الناس لتلقي أي توصية. الاستثمار في رعاية صحية عادلة وعالية الجودة، والشفافية عند حدوث الأخطاء، وإشراك المجتمع بصدق، يخلق بيئة تزيد من احتمالية الاستماع إلى النصائح العلمية.
بين الخوف وتحمل المسؤولية
في سياق مجموعة العائلة على WhatsApp نفسها، يمكن للقصة أن تأخذ مساراً مختلفاً. قد يرد قريب على الرسالة المقلقة برابط من جهة صحية محترمة يلخص ما هو معروف عن أمان اللقاحات. وقد يسجل طبيب في العائلة مقطعاً صوتياً قصيراً يشرح بهدوء كيف تتم مراقبة الآثار الجانبية، وما مدى ندرة المضاعفات الخطرة مقارنة بخطورة الأمراض نفسها. بهذه الطريقة، لا تتحول المجموعة إلى ساحة للجدل، بل إلى مساحة تُطرح فيها الأسئلة وتُجاب.
الخوف الجماعي لن يختفي تماماً. فمن طبيعتنا كبشر أن نقلق على أبنائنا وأن نبحث عن اليقين في عالم مليء بالشكوك. التحدي ليس هو القضاء على الخوف، بل تقريبه قدر الإمكان من الواقع، بحيث يدفعنا نحو اكتساب معرفة أفضل بدل أن يغرقنا في الضباب والشك.
