فنون

في ثالث أيامه: مهرجان برلين بين كوابيس الثراء ورعب الأمومة

تحولت العاصمة الألمانية برلين إلى مركز نابض بالإثارة الفنية في اليوم الثالث من مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026، حيث استمتع الجمهور بليلة مميزة جمعت بين سحر السجادة الحمراء وغموض أفلام الرعب النفسي. شهد اليوم اشتباكًا بين حكايات الثراء، وقلق الشهرة، وتجربة الأمومة، مما أثار توقعات جماهيرية كبيرة وعزز مكانة المهرجان كمنصة عالمية للأعمال السينمائية المؤثرة.

وصف المهرجان بأنه يمنح الجمهور “سينما خالصة” تجمع بين الترفيه والأسئلة الوجودية، وأعادت ساحة “بوتسدامر بلاتس” إلى الحياة بزحامها الكبير، مؤكدة عودة برلين كوجهة للنجوم العالميين، حيث تتجاوز السينما مجرد الشاشة لتصبح تجربة حية يشارك فيها الجميع.

تفاصيل اليوم الثالث من مهرجان برلين السينمائي 2026: بين السخرية والرعب

بين سخرية الأثرياء وصخب السجادة الحمراء

شهد اليوم إطلاق فيلم “تقليم شجيرات الورد” (Rosebush Pruning) في عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية، وقد استقطب الفيلم اهتمامًا واسعًا بفضل قائمته الطويلة من النجوم المشاركين، تقدمهم الممثل كالم تيرنر والنجم جيمي بيل، بالإضافة إلى أيقونة التسعينيات باميلا أندرسون. كما أضاف حضور نجمة البوب العالمية دوا ليبا لمسة خاصة، مما وصفته الصحافة الألمانية بـ”موعد الذروة” لنجومية المهرجان.

يتناول الفيلم قصة عائلة أمريكية ثرية تعيش في إسبانيا، مقدمًا رؤية ساخرة وقاسية لنمط حياة النخبة، محاولًا الغوص في فوضى العلاقات العائلية في ظل الثراء وغياب الأخلاق. ورغم الأداءات التمثيلية اللافتة، انقسمت الآراء النقدية حول الفيلم، حيث اعتبره البعض سخرية ثقيلة لا تصيب الهدف دائمًا، فيما أشار آخرون إلى جاذبيته التسويقية القوية بسبب شهرة ممثليه وحِدّة الحوارات، لكنه قد لا يرضي الذوق الفني الباحث عن العمق الدرامي الصرف. بقي الفيلم محور النقاش في أروقة المهرجان، حيث اعتبره الكثيرون مرآة للترف الزائد الذي تعيشه بعض الطبقات في الغرب.

كوابيس الأمومة

بعد ضجيج السجادة الحمراء، انتقل المهرجان إلى منطقة أكثر عتمة وإثارة مع عرض فيلم المسابقة الثاني “مولود الليل” (Nightborn) للمخرجة الفنلندية هانا بيرغهولم. الفيلم يندرج في إطار الرعب النفسي والأسطوري، ويتناول ثيمة الأمومة من منظور كابوسي، مستلهمًا قوته من الفولكلور الشعبي والقلق الإنساني الدفين.

شارك في الفيلم الممثل روبرت غرينت في دور الزوج جون، والممثلة سيدي هارلا في دور الأم ساغا. أشارت وكالة “رويترز” إلى أن الفيلم يواجه مشاعر غير مريحة ترافق تجربة الأبوة والولادة، وهي مناطق نادرا ما تتطرق إليها السينما السائدة بهذا الوضوح. تحول النقاش خارج القاعة من السينما إلى “تابوهات” الجسد والنفس، وكيف يمكن لأفلام الرعب الحديثة أن تكون وسيلة لفتح ملفات اجتماعية حساسة.

في قسم “برليناله سبيشيال”، شهد المهرجان عرض فيلم “اللحظة” (The Moment) لنجمة البوب تشارلي إكس سي إكس، وهو عمل هجين يمزج بين الحقيقة والتمثيل ويتأمل في معنى الشهرة والنجاح تحت ضغط التوقعات العالمية. وصفت تشارلي الفيلم بأنه يغلق فصلًا مهمًا من حياتها الفنية، معتبرة أن الشهرة أصبحت عبئًا ثقيلًا على المبدع في عصر السرعة. جذب الفيلم جمهورًا شابًا وكبيرًا على حد سواء، مقدمًا صرخة ضد زيف الأضواء وبحثًا عن الحقيقة خلف أقنعة الشهرة.

حكايات الحب البارد

في قسم “بانوراما”، عُرض عالميًا لأول مرة فيلم “أليغرو باستيل” (Allegro Pastell) للمخرجة آنا رولر، المقتبس عن رواية شهيرة تتحدث عن علاقة حب بين شاب وفتاة يعيشان في مدينتين مختلفتين. وصف الفيلم بأنه يقدم “رومانسية باردة”، حيث تبدو العلاقة شبه مثالية عبر الشاشات والهواتف لكنها تتآكل ببطء في أرض الواقع نتيجة المسافات والإدراك المختلف لمفهوم الحب.

اعتبر النقاد “أليغرو باستيل” دراسة دقيقة لقلق جيل الشباب المعاصر، الذي يعيش في فقاعة من المثالية المصطنعة ويفشل في المواجهة العاطفية المباشرة. كانت ردهات المهرجان تعج بالنقاشات حول قوة فيلم “تقليم شجيرة الورد” مقابل العمق النفسي لفيلم الرعب “مولود الليل”، متسائلين عما إذا كانت نجومية السجادة الحمراء قد سحبت الانتباه من حساسية الفيلم الفنلندي، أم أن الرعب الصادق سرق الأثر الفني الحقيقي.

لم يترك اليوم الثالث مجالًا للملل، بل عزز مكانة برلين كمركز للجدل الإعلامي والنقاشات حول تمويل الأفلام والمواقف الأخلاقية لصناعها. اختتم اليوم بانطباع قوي بأن السينما لا تزال قادرة على هز القناعات وتقديم وجبات دسمة من التفكير والمتعة في آن واحد. ما زال التنافس على الجوائز الكبرى مستمرًا، وترقب يحيط بالأعمال القادمة التي قد تغير مسار المهرجان.