فنون

دراما رمضان في إندونيسيا.. ذروة العرض في “السحور”

يخطئ من يظن أن رمضان في إندونيسيا مجرد موسم لعرض البرامج، فهو في حقيقته خريطة سردية فريدة تعيد صياغة عادات المشاهدة لدى أكبر تجمع إسلامي في العالم، حيث تتبدل مفاهيم “وقت الذروة” عما نعرفه في العالم العربي. وبينما يترقب المشاهد العربي الإفطار لمتابعة أعماله المفضلة، تتحول ساعات ما قبل الفجر في إندونيسيا إلى ساحة التنافس الكبرى، فيما يُعرف بـ “رفيق السحور”؛ وهو تقليد تلفزيوني يبقي الشاشة مفتوحة حتى خيوط الضوء الأولى، مع التركيز على الدراما الدينية والاجتماعية.

الدراما الرمضانية الإندونيسية: صراع “السبقات” و”رفيق السحور” في 2026

وتتشكل ملامح المنافسة في رمضان 2026 حول محورين عملاقين؛ الأول تقوده مجموعة “إس سي تي في” (SCTV) مع ذراعها الرقمي منصة “فيديو” (Vidio)، والثاني تتصدره قناة “آر سي تي آي” (RCTI)، مع محاولات لافتة من قنوات أخرى مثل “إندوسيار” (Indosiar) التي تراهن على “السلاسل الكبرى” العاطفية. واللافت في استراتيجية هذا العام هو البدء المبكر جداً لحجز موقع في العقل الجمعي للمشاهد.

فقد أطلقت “إس سي تي في” عملها الاجتماعي الديني “استقامة شينتا” (Istiqomah Cinta) في التاسع من فبراير/شباط، أي قبل دخول رمضان بأيام، في خطوة تهدف إلى تهيئة المشاهد نفسياً لاستقبال الشهر الفضيل. هذا العمل، الذي تقوده النجمة “ياسمين نابر” في دور “خنسا”، يفسر فلسفة الدراما الإندونيسية في وضع البطل في اختبارات أخلاقية قاسية تتراوح بين السجن والتضحية الاجتماعية، لتقديم جرعة مكثفة من “دراما الإيمان” التي تركز على فكرة الصمود كقيمة عليا.

“طريق التوبة” وسلاسل الفجر: معركة الساعات الأولى

وعند الانتقال إلى “منطقة السحور”، نجد الرهان الأكبر لقناة “إس سي تي في” على العمل الأسطوري “الباحثون عن الله” (Para Pencari Tuhan) الذي يعود في جزئه التاسع عشر تحت عنوان “طريق التوبة” (Tobat, Woy). هذا المسلسل يمثل ظاهرة سوسيولوجية قبل أن يكون فنياً، إذ يثبت موعد عرضه في ذروة السحور (الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة فجراً).

وبقيادة النجم “ديدي مزور” في دور “بانغ جاك”، يستمر العمل في تقديم خلطته السرية التي تجمع بين “الإرشاد الدرامي” والكوميديا السوداء، ملتقطاً نبض الشارع وقضايا التوبة والعودة إلى الجذور بلهجة قريبة جداً من لغة الناس اليومية. ويُفسر استمرار هذا العمل لـ 19 عاماً حالة “الولاء الجماهيري” التي يمتلكها، حيث تحول أبطاله إلى رموز شعبية تمرر الرسائل الدينية دون تكلف أو خطابة مباشرة.

وفي سياق استعادة الذاكرة الجمعية وتوظيفها تربوياً، تطل قناة “إس سي تي في” بجزء جديد من عالم “ممر الوقت” (Lorong Waktu)، حيث أعلنت بوضوح عن مواعيد عرضه في الرابعة وعشرين دقيقة فجراً مع إعادة في منتصف اليوم. يفسر العمل كيف يستخدم العقل السينمائي الإندونيسي “الفانتازيا” لخدمة الأخلاق؛ فرحلة الأبطال عبر الزمن ليست إلا حيلة درامية لتعزيز القيم في نفوس الصغار والكبار، وهو ما يتكامل مع عمل عائلي آخر هو “مغامرة كوينا السرية” (Petualangan Rahasia Queena).

ويرصد العمل علاقة الأطفال بالعالم الرقمي، مما يوضح أن الدراما الرمضانية الإندونيسية بدأت تغادر مربعات الوعظ التقليدي لتشتبك مع تحديات الحداثة والتكنولوجيا التي تواجه الأسرة المسلمة في أكبر أرخبيل في العالم.

على الجانب الآخر من المنافسة، تدخل قناة آر سي تي آي (RCTI) الميدان بعنوان له وزن ثقيل في الشارع الإندونيسي وهو “المرسوم الثامن للولي: مصلى السلطان” (Amanah Wali 8: Musala Sultan). وتبدأ حكاية هذا العام من منتصف فبراير/شباط، وتفسر صراعاً رمزياً حول حماية “المصلى” بوصفه مركزاً للهوية والروحانية في الحي الشعبي.

وتقدم الشخصيات المعروفة في العمل (أبوي، فانك، أوفي وتومي) مزيجاً من الكوميديا والدراما التي تستهدف قلوب البسطاء، حيث يخرج البطل من السجن ليجد نفسه أمام اتهامات وصراعات تثبت صدق توبته. وتكتمل الخريطة ببرمجة قناة آر سي تي آي (RCTI) لعمل سحور جديد بعنوان “طرق متعددة للجنة” (Banyak Jalan Menuju Surga)، والذي ينطلق في التاسع عشر فبراير/شباط الجاري. ويقدم العمل فلسفة “التوبة الجماعية”، حيث يتبع رحلة ثلاثة أصدقاء يحاولون تصحيح مسارات حياتهم.

وتكشف الخريطة الدرامية لرمضان 2026 أن الدراما في إندونيسيا ليست مجرد سد لوقت الفراغ، بل هي عملية إنتاجية معقدة تهدف إلى تعزيز السلوك الاجتماعي وتوفير “رفيق روحي” في الساعات السابقة للفجر. وستتضح المنافسة الحقيقية ومدى تقبل الجمهور لهذه الأعمال مع بداية الشهر الفضيل، وسيستمر ترقب ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي ونسب المشاهدة.