فنون

المريخ في الأردن: حكايات الرمال التي عانقت خيال السينما

في قلب صحراء الأردن الشاسعة، حيث الرمال الحمراء الشاهقة والجبال الصخرية العملاقة، يقع وادي رم، المعروف أيضًا بـ “وادي القمر”، وهو موقع سينمائي عالمي أصبحت فيه دراما التاريخ تلتقي بخيال عوالم بعيدة.

يُعد هذا الوادي، بتضاريسه الفريدة التي تشبه سطح كواكب أخرى، بمثابة مختبر بصري عالمي احتضن أعظم الملاحم السينمائية، ليصبح جسرًا يربط بين حكايات الماضي وخيال المستقبل، مستقطبًا إنتاجات هوليوود العملاقة إلى جانب الأفلام المحلية.

وادي رم: المسرح العالمي لأعظم الأفلام

بدأت الحكاية السينمائية لوادي رم في مطلع الستينيات، حينما سعى المخرج البريطاني ديفيد لين إلى تحقيق رؤيته لفيلم “لورنس العرب” (Lawrence of Arabia) عام 1962.

لم يكن اختيار وادي رم مجرد قرار لوجستي، بل قرارًا فنيًا وفلسفيًا. فالرمال الحمراء والجبال الشاهقة وفرت الخلفية المثالية لرواية التوتر النفسي والسياسي الذي عاشه توماس إدوارد لورنس خلال الثورة العربية الكبرى.

في الفيلم، لم تكن الصحراء مجرد مكان صامت، بل بطلًا فاعلًا أفرض إيقاعه على الشخصيات والمشاهد. تمكن لين، عبر عدسة فريدي يونغ، من نقل هيبة الفراغ وجلال الطبيعة التي تضع الإنسان أمام اختبار لذاته وقدراته.

تطلبت قسوة الوادي، من حرارة نهارية وبرد ليلي، تحديًا مهنيًا وإنسانيًا عميقًا، مما منح الفيلم صدقية فريدة. وقد روى بطل الفيلم، بيتر أوتول، عن صعوبة تعلم ركوب الجمال في بيئة الصحراء القاسية.

“المريخي”: وادي رم يتحول إلى كوكب بعيد

بعد عقود، عاد وادي رم ليحتل المشهد العالمي، ولكن هذه المرة من بوابة الخيال العلمي مع فيلم “المريخي” (The Martian) للمخرج ريدلي سكوت عام 2015.

اختار سكوت وادي رم بسبب تضاريسه الجيولوجية الفريدة التي تشبه إلى حد مذهل الصور المرسلة من المريخ، بما في ذلك الرمال الغنية بأكسيد الحديد والجبال الصخرية المنفردة.

وصف سكوت المكان بأنه “أقرب إلى معجزة طبيعية”، وأراد أن يجعل كوكب المريخ في الفيلم يبدو “شديد الجمال، جمالًا استثنائيًا”.

على الرغم من تصوير بعض المشاهد الداخلية في استوديوهات متطورة، إلا أن المشاهد الخارجية الملتقطة في وادي رم منحت الفيلم روحه البصرية وشعورًا بالواقعية المفرطة.

تقديرًا للتعاون الكبير في الأردن، أهدى فريق الإنتاج نموذج مركبة “الروفر” المستخدمة في الفيلم للمملكة، وهي معروضة اليوم في متحف السيارات الملكي بعمان، كرمز لتحول الوادي إلى “مريخ أرضي”.

تنوع سينمائي: من “بروميثيوس” إلى “علاء الدين”

لم تتوقف جاذبية وادي رم السينمائية عند هذين العملين، بل امتدت لتشمل أفلامًا مثل “بروميثيوس” (Prometheus) عام 2012، الذي جسد أرضًا غريبة لرحلة استكشافية فضائية.

كما احتضن الوادي مشاهد هامة من ملحمة “حرب النجوم” في أجزائها الأخيرة، مثل “روج واحد” (Rogue One) و”صعود سكاي ووكر” (The Rise of Skywalker)، ممثلًا كواكب صحراوية غامضة.

وحتى في عالم الفانتازيا، اختير وادي رم لتصوير النسخة الواقعية من فيلم “علاء الدين” (Aladdin) لديزني، مجسدًا سحر مدينة “أغربة” الأسطورية.

“ذيب”: قصة أردنية تستنطق روح الصحراء

يبرز فيلم “ذيب” كعلامة فارقة في تاريخ السينما الأردنية والعربية، حيث استطاع المخرج ناجي أبو نوار أن يستنطق وادي رم من الداخل، مقدمًا الصحراء ليس كديكور، بل كبيئة قاسية وذكية تتطلب معرفة عميقة للبقاء.

أثبت فيلم “ذيب”، الذي وصل إلى نهائيات جوائز الأوسكار، أن تضاريس وادي رم ليست مجرد بديل للمريخ، بل هي موطن لثقافة إنسانية ضاربة في القدم، قادرة على تقديم قصص كونية تتجاوز حدود الجغرافيا.

“كثيب” وجمال الطبيعة الأخاذ

دفعت الطبيعة المذهلة لوادي رم أفلامًا مثل “كثيب” (Dune) للمخرج دينيس فيلنوف لاختيار الموقع لتصوير كوكب أراكيس، حيث استُخدمت الكثبان الرملية والمساحات الشاسعة لخلق شعور بالرهبة والجمال المهيب.

في السينما، تفرض قواعد صارمة على المخرجين احترام الضوء الطبيعي وهبوب الرياح، ووادي رم يوفر هذه العناصر بكرم لا يضاهى، خاصة الإضاءة الساحرة وقت الغروب.

يبقى وادي رم، بتمازجه الفريد بين الطبيعة والتاريخ، بمثابة سجل مفتوح للحضارات القديمة، حيث يعيش البدو اليوم كحراس لهذا التراث، مقدمين خبراتهم في فهم لغة الطبيعة.

يتجاوز وادي رم كونه مجرد موقع تصوير؛ إنه مكان يلتقي فيه البشر من مختلف الثقافات، ويدرك زواره عظمة الصمت وقوانين الطبيعة الأزلية.

يعكس وادي رم الذاكرة الإنسانية التي تبحث عن وطن يتسع لأحلام البشر، ليظل “المريخ العربي” شاهدًا على أن الأرض لا تزال تملك الكثير من الأسرار التي تستحق أن تُروى.