فنون

كوثر بن هنية ترفض جائزة برلين.. “لا أريد تمثالاً يُجمّل وجه الإبادة”

بكلمات حاسمة استقرت في الوجدان، فجرت المخرجة التونسية كوثر بن هنية واحدة من أكثر لحظات مهرجان برلين السينمائي توتراً هذا العام، رافضةً تسلم جائزة “الفيلم الأكثر قيمة” لعملها “صوت هند رجب” (The Voice of Hind Rajab)، واصفةً السلام بأنه ليس مجرد “عطر نرشه على العنف كي تبدو السلطة مهذبة ومريحة”. رفض بن هنية تسلم الجائزة في أمسية جوائز “سينما من أجل السلام” (Cinema for Peace)، تاركةً التمثال في القاعة بوصفه “تذكيراً” بالدم، وليس تكريماً للفن، مما سلط الضوء على قضية غزة والموقف المؤسساتي للمهرجان.

في خطوة أثارت زلزالاً في الوسط السينمائي العالمي، أكدت بن هنية أن ما حدث للطفلة هند رجب “ليس استثناء، بل جزء من إبادة جماعية”، مشددة على أن السينما لا يمكن أن تتحول إلى أداة لـ “غسيل الصورة” بينما تخنق الأصوات التي تحاول النجاة. وقد نقلت هذه الكلمات المؤسسة الرسمية للفيلم، لتؤكد على الرفض القاطع لتحويل الفن إلى واجهة للسلطة.

زلزال الرسالة المفتوحة

جاءت صرخة كوثر بن هنية لتتوج حالة الاحتقان التي انفجرت صبيحة اليوم السابق، مع تداول نص الرسالة المفتوحة الموقعة من أكثر من 80 مشاركاً حالياً وسابقاً في المهرجان. تصدر قائمة الموقعين أسماء بارزة مثل خافيير بارديم وتيلدا سوينتون، بالإضافة إلى مخرجين مرموقين كـ مايك لي وآدم مكاي.

الرسالة، التي نسقتها مجموعة “سينمائيون من أجل فلسطين” (Film Workers for Palestine)، اتهمت المهرجان صراحة بـ “الصمت المؤسسي” تجاه غزة، واصفةً موقفه بالانتقائي الذي يفتقر إلى الوضوح الأخلاقي الذي أبداه المهرجان سابقاً في ملفات أخرى. وكشفت الرسالة عن “أزمة شرعية” حقيقية، متسائلة عن معنى أن يقدم مهرجان برلين نفسه كمنصة سياسية تاريخية، بينما يمارس ما وصفوه بـ “تقنين” مساحة التعبير وتكميم الأصوات المؤيدة للفلسطينيين.

انتقل التوتر مباشرة إلى المؤتمرات الصحفية، حيث واجهت إدارة المهرجان أسئلة حول التوازن بين “حرية التعبير” كحق إنساني، وبين “الحياد” الذي قد يتحول إلى تواطؤ. كما سجلت تغطيات الوكالات الدولية حالة حذر لدى الصحافة الألمانية، تعكس توتراً مؤسسياً يتجاوز حدود صالات العرض ليلامس سياسة الدولة الألمانية ومواقفها الرسمية من الحرب.

انفصام الشاشة والواقع

رصدت عروض المهرجان مفارقة مذهلة بين ما يحدث داخل صالات العرض وما يدور في أروقتها من احتجاجات. فعلى الشاشة الرئيسية، صفق الجمهور لفيلم الافتتاح “لا رجال طيبون” (No Good Men)، الذي اعتبرته الإدارة “بياناً سياسياً ضد النظام الاجتماعي في أفغانستان”. لكن هذا الاحتفاء قوبل بأسئلة محرجة حول كيفية الاحتفاء بالسينما التي تدين القمع في أفغانستان، بينما يُمارس “الحياد” تجاه غزة.

وفي قسم البانوراما، عُرض فيلم “غيوم ساكنة” (Static Clouds) الذي يصور حياة اللاجئين، ليتداخل أنين أبطاله على الشاشة مع صرخات السينمائيين في الخارج. تجلى الانفصام بشكل حاد حين دعا رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فيندرز، إلى “إبعاد السينما عن السياسة”، معتبراً أن الفن يغير العالم إنسانياً لا سياسياً. هذا التصريح، الذي وصفته الكاتبة الهندية أرونداتي روي بـ “المنفصل عن الواقع”، غذى اتهامات الرقابة.

وفي المقابل، شهدت عروض قسم “المنتدى” عودة للأعمال التي تبحث في معنى “الجدران والحدود”، حيث تحول نقاش فيلم “عمارة الجدران” (The Architecture of Walls) إلى مساءلة علنية حول جدران الصمت التي تبنيها المؤسسات الثقافية الكبرى لحماية مصالحها السياسية، مما جعل كل لقطة على الشاشة تُقرأ في سياق المواجهة مع الواقع الفلسطيني.

هل ينقذ “الدب الذهبي” ضمير الفن؟

أمام هذا الضغط غير المسبوق، حاولت إدارة المهرجان تثبيت مبدأ أن “للفنان حق الكلام وحق الصمت”، رافضةً مطالبة الضيوف بإجابات مختصرة عن قضايا معقدة. لكن هذا الدفاع اصطدم بواقع أن المهرجان هو من وضع نفسه سابقاً كـ “منبر للمواقف”، مما جعل حديثه عن “الامتناع” يُقرأ كهروب من المسؤولية.

وتتوقع الأوساط الصحفية في برلين أن تزداد الضغوط في الساعات القادمة مع اقتراب موعد الجوائز، حيث بات أي خطاب فوز مرتقب مشروع بيان سياسي قد يحرج الإدارة أو يتحدى “طلقة بن هنية” الأخلاقية. تحول “برليناله 2026” من حدث سينمائي إلى اختبار علني لمعنى “حرية التعبير” في الغرب. فبين منطق “العمل الفني” الذي تحاول الإدارة تثبيته كفضاء محايد، وبين “الطلب الأخلاقي” الذي يرفعه بارديم وسوينتون وبن هنية، لا يزال التساؤل معلقاً: هل يمكن للسينما أن تستمر في تصوير وضع المرأة في العالم، بينما تعجز عن مواجهة حقيقة الرمال التي تخضبها الدماء في غزة؟

في برلين 2026، لم يكن الفوز للأفلام الأكثر بريقاً، بل كان لتلك الأصوات التي رفضت التواطؤ بالصمت، تاركةً خلفها صدى سيظل يطارد الضمائر طويلاً بعد أن يصمت التصفيق وتخلو القاعات.