ما دلالات انخفاض حيازة الأجانب من الديون الأميركية؟

يشهد الدين السيادي الأميركي تحولاً تدريجياً في خريطة ملكيته، مع استمرار تراجع انكشاف المستثمرين الأجانب على سندات الخزانة. تعكس هذه الظاهرة، التي وثقتها بيانات وزارة الخزانة الأميركية، تداعيات مالية وجيوسياسية تتجاوز مجرد الأرقام الشهرية، وتطرح تساؤلات حول مستقبل هيمنة الدولار.
انخفضت حيازات المستثمرين الأجانب من سندات الخزانة الأميركية خلال شهر ديسمبر، متأثرة بقرار كل من اليابان وبريطانيا، أكبر حائزين للديون الحكومية الأميركية، بتقليص محافظهما الاستثمارية. تراجع إجمالي حيازات الأجانب إلى 9.27 تريليون دولار في ديسمبر، مقارنة بـ 9.36 تريليون دولار في نوفمبر.
اتجاه مستمر لانخفاض حيازة الأجانب للديون الأميركية
تُظهر بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن اليابان، رغم كونها أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، قد قلصت حيازاتها إلى 1.19 تريليون دولار في ديسمبر، مقارنة بـ 1.20 تريليون دولار في الشهر السابق. كما خفضت بريطانيا، التي تحتل المرتبة الثانية، حيازاتها إلى 866 مليار دولار من 889 مليار دولار في نوفمبر.
في المقابل، حافظت الصين، ثالث أكبر حامل للسندات الأميركية، على استقرار نسبي في محفظتها عند 683.5 مليار دولار، مقارنة بـ 683.9 مليار دولار في الشهر السابق. وقد ارتفعت العوائد على سندات الخزانة في أوائل ديسمبر قبل أن تستقر في نطاق ضيق لبقية الشهر، بالتزامن مع قرار الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة.
يشير الخبراء إلى أن هذا الانخفاض في حيازة الأجانب لسندات الخزانة الأميركية هو اتجاه ممتد منذ عام 2013. وقد تراجعت نسبة الملكية الأجنبية من نحو 50% آنذاك إلى ما يقارب 30% حالياً. يعود هذا التراجع إلى عدة عوامل، منها التحولات في السياسات الأميركية، والتوترات الجيوسياسية، ومسألة تجميد الأصول والاحتياطات لبعض الدول، مما دفع البنوك المركزية إلى إعادة تقييم انكشافها على الأصول المقومة بالدولار.
ورغم هذا الاتجاه، يؤكد الخبراء أن سوق سندات الخزانة الأميركية لا تزال الأكثر سيولة وعمقاً وشفافية على مستوى العالم، ولا يوجد حالياً بديل قادر على منافستها بالحجم ذاته. الأسواق الأوروبية، على سبيل المثال، تفتقر إلى التوحيد الكامل، بينما تبقى الأسواق الأخرى محدودة الحجم نسبياً.
الاقتصاد الأميركي ما زال يتمتع بجاذبية كبيرة للمستثمرين المؤسساتيين، إلا أن ما نشهده حالياً هو إعادة تموضع وإدارة مخاطر وليس تخلياً استراتيجياً عن الأصول الأميركية.
الحيازات الصينية من الديون الأميركية
دأبت الحكومة الصينية على تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية بشكل مطرد خلال العقد الماضي. وقد انخفض مخزونها إلى النصف تقريباً منذ ذروته في عام 2013، ليصل إلى 683 مليار دولار، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2008.
تسعى بكين من خلال هذا التحرك إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، وتعزيز أمنها المالي الوطني. ورغم أن عمليات البيع السريعة قد تؤثر على قيمة اليوان وتضعف محرك التصدير الصيني، إلا أن الهدف الاستراتيجي لبكين هو تقليل الاعتماد على الأصول الأميركية في ظل التوترات المستمرة.
يدرك صناع السياسات الصينيون المخاطر المحتملة، لا سيما بعد تجميد الولايات المتحدة وحلفائها لاحتياطيات البنك المركزي الروسي. إن القلق يكمن في أنه في حال تصاعد التوترات، قد تُقيّد الولايات المتحدة الوصول إلى أصول الدولار الصينية.
في المقابل، تواصل الصين بناء مخزونها من الذهب، وزادت مشترياتها بشكل حاد في السنوات الأخيرة، لتصبح واحدة من أكبر حائزي الذهب الرسميين في العالم. ومع ذلك، تواجه الصين، مثل البنوك المحلية، تحدياً في إيجاد بدائل مجدية لاستثمار احتياطياتها من العملات الأجنبية الضخمة.
تداعيات التحول الاستراتيجي
يرى الخبراء أن انخفاض حيازة الأجانب من سندات الخزانة الأميركية ليس أمراً عابراً، بل هو مؤشر استراتيجي بالغ الأهمية. سندات الخزانة الأميركية كانت تُعد أصولاً شبه خالية من المخاطر وركيزة أساسية في احتياطيات البنوك المركزية.
هذا التراجع قد لا يعكس فقدان الثقة بالدولار، لكنه يدل على إعادة تموضع استراتيجية وتنويع أكبر في الاحتياطيات. وتشمل هذه التنويعات زيادة حصة الذهب والتحول إلى أصول مقومة بعملات أخرى.
كما أن انخفاض الطلب الأجنبي على السندات الأميركية يفرض ضغوطاً تصاعدية على العوائد، مما يرفع تكلفة تمويل العجز المالي الأميركي. وتشكل هذه الظاهرة أيضاً بعداً جيوسياسياً، حيث قد تستخدم بعض الدول هذا كأداة ضغط سياسية.
في الوقت الحالي، لا يشكل هذا التحول خطراً مباشراً على مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية أولى. ومع ذلك، إذا استمرت وتيرة التراجع لسنوات متتالية وبشكل متسارع، فقد نشهد تحولاً هيكلياً تدريجياً في النظام المالي العالمي.
ماذا بعد؟
من المتوقع أن تواصل البنوك المركزية مراقبة اتجاهات حيازة الديون الأميركية عن كثب، مع التركيز على تفاصيل تقارير وزارة الخزانة المستقبلية. يبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة الأسواق الأخرى على استيعاب التدفقات المالية المتغيرة، ومدى سرعة وتيرة هذا التحول في النظام المالي العالمي.
