فنون

باريس في السينما.. المدينة التي تولد كل يوم

تظل باريس، المدينة الخالدة، أكبر من مجرد موقع جغرافي، فهي كائن حي يتنفس ويتحول عبر عدسات المخرجين، مقدمةً رؤى متناقضة ومدهشة حول جوهرها. من “مدرسة التمرد والحرية” التي زرع بذورها فرانسوا تروفو، إلى “المسرح السريالي” الذي نسجه ليو كاراكس، تجسد باريس ثنائيات سينمائية تعكس تحولات المدينة ذاتها، سواء كفضاء واقعي يعزز التمرد، أو كحلم جامح يتفجر بالفانتازيا.

باريس: مدرسة التمرد والحرية

عندما يُذكر اسم المخرج الفرنسي فرانسوا تروفو، يستحضر المشهد السينمائي شخصية رائدة في “الموجة الجديدة”. بعمله الخالد “الضربات الأربعمئة” (The 400 Blows) عام 1959، لم يقدم تروفو مجرد قصة مراهق مضطرب، بل وضع حجر الأساس لحركة سينمائية ثورية خرجت بالكاميرا إلى شوارع باريس، لتعكس الواقعية الخام للحياة.

شخصية أنطوان دوينيل، التي جسدها جان بيير ليو، أصبحت رمزاً للطفولة المعذبة في أحضان باريس. لم تكن المدينة عند تروفو مجرد ديكور، بل كانت شريكاً في رحلة الاكتشاف والتمرد. الأزقة الخلفية، المقاهي الشعبية، والأرصفة الرمادية، كلها عناصر نسجت لوحة حية لمدينة تعلم أنطوان معنى الاغتراب، مانحة إياه صك التحرر من قيود الواقع.

في لحظته الأخيرة أمام البحر، ينظر أنطوان مباشرة إلى الكاميرا، في وقفة استثنائية تركت بصمتها في تاريخ السينما. تساؤله الأبدي: “إلى أين أذهب الآن؟” يعكس جوهر باريس عند تروفو، مدينة الحقيقة العارية، حيث تتحطم البراءة لتولد إرادة قوية للتحرر، وتتحول المدينة إلى مدرسة حياة بديلة.

باريس: مسرح سريالي

في المقابل، يقدم المخرج ليو كاراكس، الملقب بـ”الطفل الرهيب” للسينما الفرنسية المعاصرة، رؤية مختلفة لباريس. فإذا كانت باريس عند تروفو مدرسة واقعية، فهي عند كاراكس كابوس شعري جميل، ومختبر للفانتازيا البصرية. في فيلمه “المحركات المقدسة” (Holy Motors) عام 2012، تتحول المدينة إلى مسرح سريالي لا يعترف بقوانين المنطق.

شخصية السيد أوسكار، التي جسدها دينيس لافانت، تتنقل عبر باريس في سيارة ليموزين، مؤدية تسعة أدوار مختلفة في يوم واحد. من شحاذ عجوز إلى كائن غريب، باريس لدى كاراكس تفقد هويتها الجغرافية المعتادة لتصبح فضاءً تتداخل فيه الحقيقة مع الخيال، وتحتضن المسارح المهجورة الشخصيات وتنصهر فيهما روتينية الحياة مع اللا معقول.

في “العشاق على الجسر” (The Lovers on the Bridge)، تجسد باريس جماليات “القبح” وشدة العاطفة. جسر “بونت-نوف”، الذي أعيد بناؤه بالكامل كديكور ضخم، يصبح مسرحاً لقصة حب بين متشردين. باريس هنا ليست مدينة النور الرومانسية، بل مدينة المنسيين والمشردين، ومع ذلك، ينبثق الحب كقوة بركانية متطرفة، وتتحول سماء المدينة إلى لوحة من الألعاب النارية، لترقص مع شغف الأبطال.

مقارنة ورؤى مستقبلية

يكمن الفرق الجوهري بين تروفو وكاراكس في فلسفتيهما السينمائيتين. تروفو يؤمن بـ”الحياة اليومية” كمادة خام، مصوراً باريس بحقيقتها الفجة. بينما يرى كاراكس أن “الخيال هو الطريقة الوحيدة لفهم الواقع”، ويصور باريس كـ”فكرة” تتراقص على الشاشة، مدينة تتشظى فيها الهوية الشخصية وتتغير كالأقنعة.

من “الضربات الأربعمئة” إلى “المحركات المقدسة”، تبقى باريس هي الرابح الأكبر، مانحةً خلوداً واقعياً بسحر غرائبي. تطورت رؤية السينما الفرنسية للمدينة من وصف الواقع إلى إعادة اختراعه، ومن تصوير ما هو كائن إلى استكشاف ما يمكن أن يكون، مما يفتح الباب أمام مزيد من التحولات السينمائية لاستكشاف جوهر هذه المدينة الأيقونية.