فيلم “اللي باقي منك”: مأساة عائلية تختصر تاريخ فلسطين

فيلم “اللي باقي منك”: مرآة فلسطين عبر ثلاثة أجيال
يُعد فيلم “اللي باقي منك”، من إخراج شيرين دعيبس، أحد أبرز الأعمال العربية التي عُرضت عالميًا للمرة الأولى ضمن قسم العروض الرسمية في مهرجان صندانس السينمائي، وتحديداً في موسم المهرجانات لعام 2025. يندرج الفيلم تحت فئة الدراما التاريخية، ويتناول قصة عائلة فلسطينية تمتد أحداثها على مدار ما يقرب من سبعة عقود، من عام 1948 وصولاً إلى عام 2022، مقدماً رؤية تتداخل فيها الذاكرة الشخصية مع التحولات السياسية الكبرى التي شهدها الشعب الفلسطيني.
الفيلم، وهو إنتاج مشترك بين عدة دول، يضم في طاقمه نخبة من الممثلين، منهم محمد بكري وابنيه صالح بكري وآدم بكري. يمتد سرد الفيلم لما يقارب الساعتين والنصف، معتمداً على بنية درامية تتسم بالتشظي الزمني والتنقل بين حقب تاريخية مختلفة.
العائلة كمرآة للتاريخ الفلسطيني
تبدأ رحلة “اللي باقي منك” في عام 1988، مع شخصية المراهق نور الذي يتعرض لإصابة خلال أحداث الانتفاضة. سرعان ما تنتقل سردية الفيلم إلى المخرجة شيرين دعيبس، التي تبدأ بتتبع قصة ابنها من خلال الغوص في حياة جده. يعود بنا الفيلم أربعين عاماً إلى الوراء، إلى عام النكبة 1948، ليبدأ بسرد حكاية عائلة فلسطينية تُجبر على مغادرة يافا تحت وطأة التهجير. يتم تصوير الأب شريف، الذي يؤدي دوره آدم بكري، وهو يحاول إنقاذ منزله وحديقة البرتقال، متشبثاً بوعود الأمان.
تتجسد الذاكرة الجريحة كعبء مشترك يحمله الأبناء والأحفاد عبر الأجيال. ينتقل الفيلم ليعرض قصة الجد شريف، الذي يجسده المخضرم محمد بكري في أحد آخر أدواره السينمائية، ثم جيل الابن سليم، الذي ينشأ في ظل الاحتلال، وصولاً إلى الحفيد نور، الذي يصطدم بالوجه العنيف للاحتلال، ليكبر ويحمل مبادئ جده.
ثلاثة أجيال في مواجهة واقع واحد
يبرز الفيلم كيف تتغير تجربة الاحتلال وتتطور آثارها من جيل إلى آخر. يمثل الجد شريف الجيل الذي عرف الحياة قبل النكبة، والذي يظل رافضاً للاحتلال كرفض وجودي نابع من ذاكرة الحرية والانتماء. في المقابل، يمثل الابن سليم جيلاً وُلد وترعرع داخل واقع الاحتلال، ما يجعله أكثر قابلية للتكيف وغريزة البقاء، حيث يتقن فن المراوغة اليومية.
أما الحفيد، الذي لم يعش يوماً خارج ظل الاحتلال، فيحمل صورة مثالية عن الوطن مستمدة من روايات جده، ويرفض براغماتية والده. يتحرك بدافع الغضب الصافي، لكنه يفتقر لخبرة الواقع. يطرح الفيلم مفارقة مؤلمة حول كيفية مواجهة كل جيل للاحتلال بأدوات مختلفة، محدداً خريطة نفسية لتغير أشكال المقاومة عبر الزمن.
صورة الفلسطيني المثالي
بعد استقرار السرد في عام 1988، وفي لحظة وفاة الابن نور، يواجه والداه خيار التبرع بأعضائه. يصبح هذا القرار، رغم طبيعته الإنسانية، محملًا بطبقات سياسية ونفسية معقدة، خاصة فيظل احتمالية ذهاب الأعضاء لمرضى إسرائيليين. يعالج الفيلم هذا الموقف كاختبار للإنسانية، متسائلاً عما إذا كانت الحياة قادرة على الانتصار على منطق الثأر.
قد ينحو الفيلم في هذا السياق إلى تقديم صورة “الفلسطيني المثالي” القابل للتضحية، وهي صورة قد تلقى صدى مريحاً في دوائر المهرجانات الغربية. بدلاً من قراءة القرار كصراع أخلاقي في واقع غير عادل، يُقدم كدليل على سمو الضحية. هنا تكمن الإشكالية حول ما إذا كان الفيلم يمنح شخصياته حرية الاختيار حقاً، أم يدفعهما إلى قرار يخدم خطاباً أوسع عن “السلام” و”الإنسانية المشتركة”. تحويل قلب الابن إلى استعارة للمصالحة قد يكون نبيلاً مجازيًا، لكنه يتجاهل طبيعة المأساة السياسية.
ماذا بعد؟
يثير فيلم “اللي باقي منك” أسئلة عميقة حول الذاكرة، الهوية، وتأثير الزمن والاستعمار على الأجيال. يبقى السؤال الأهم هو كيف سيتم استقبال هذا الطرح الفني الملتف على القضايا السياسية، وهل سيحقق تفاعلاً أوسع في الأوساط الثقافية العربية والدولية؟
