فنون

تحت القصف في طهران.. كيف ولد مسلسل “أهل إيران” من قلب الدمار؟

طهران – في مشهد يعكس واقع الحرب، يعمل فريق فني وسط أنقاض مبنى سكني شرقي العاصمة الإيرانية طهران، والذي تعرض لقصف صاروخي وغارات خلال حرب رمضان.

أصر المخرجون والمصورون والفنانون على استخدام الدمار الحقيقي كخلفية طبيعية لمشاهد مسلسل “أهل إيران”، لتحويل دوي الانفجارات إلى مؤثرات صوتية حقيقية.

مسلسل “أهل إيران” يوثق الحياة تحت القصف

في شوارع طهران التي شهدت قصفًا مكثفًا، يحرص هادي فيروزمند، أحد القائمين على المشروع الفني، على التقاط صور للأنقاض، معتبرًا إياها خلفية حية لإحدى حلقات المسلسل.

“الجزيرة نت” رافقت فريق العمل ورصدت كيفية تحويل مواقع القصف إلى لوحات فنية، وتحدي صنّاع السينما الإيرانية للخطر لتقديم عمل فني يسجل تفاصيل الحياة تحت القصف.

إنتاج متزامن تحت نيران الحرب

بدأت فكرة المسلسل في الأيام الأولى من حرب رمضان، إبان القصف الشديد، بحسب هادي فيروزمند، المستشار الإعلامي للفريق.

تجلت نواة الفكرة الأولية في ذهن المخرج محمد حسين مهدويان لإنتاج عمل فني سريع يروي القصص المؤلمة لتلك الأيام، مؤكداً “لم ننتظر انتهاء الحرب لنبدأ التصوير، بل باشرنا تحت القصف”.

خلال ليلة “الأربعاء الأحمر” (جهارشنبه سوري)، وبينما كان الفريق يصور مشهداً لنقاط تفتيش تعرضت لقصف مباشر، وقع انفجار على بعد أقل من 200 متر من موقع التصوير. هذا الانفجار، الذي لم يكن مخططاً له، أصبح جزءًا من إحدى الحلقات، مؤثراً في معنويات الفريق ولكن لم يثنِ عزيمتهم.

في أحد مواقع التصوير، دارت أحداث المسلسل داخل “دار حضانة” في منطقة “نازي آباد” جنوبي طهران، والتي تم إخلاؤها بسبب الحرب. وبينما كان الفريق يصوّر قصة أطفال، كانت أنظمة الدفاع الجوي تطلق صواريخها لاعتراض المقاتلات، مما سمح بتضمين أصوات الانفجارات الحقيقية في التسجيل الصوتي للمسلسل.

تهدف هذه الإنتاجات إلى استحضار تاريخ إيران، وتخليد قصص الأبطال الذين عاشوا الحرب بأجسادهم وأرواحهم، وتعريف الأجيال القادمة بتفاصيل الحياة تحت القصف.

ديكور طبيعي يعكس واقع الحرب

يتكون المسلسل من 14 حلقة منفصلة، لكل منها مخرج وكاتب مستقل. شارك في الإخراج 12 مخرجاً، بعضهم أخرج حلقتين. القصص مستوحاة من أحداث حقيقية، مثل قصة شهداء مدرسة ميناب للبنات، أو مدمرة “دنا” التي استهدفتها بحرية الولايات المتحدة.

عمليات الإنتاج، من الكتابة إلى التصوير والمونتاج، تمت تحت القصف أو بعده بفترات قصيرة، وليس في استوديوهات آمنة. كان الفريق حاضراً حيث وقع الألم الحقيقي.

عملت 5 مجموعات إنتاج بالتوازي، في 5 نقاط مختلفة من المدينة، ولكل فريق مخرجه وطاقمه المستقل. فور انتهاء التصوير، كانت المواد الخام تذهب مباشرة إلى غرف المونتاج، ليعمل فريق الصوت والموسيقى بالتوازي. تم تصميم نظام موحد بوجود مصمم ديكور وملحن واحد لجميع الحلقات لضمان التماسك الفني.

تمت كتابة 14 نصاً وتصوير غالبية المشاهد تحت القصف في غضون 40 يوماً فقط. تم مونتاجها وتسجيل الموسيقى التصويرية، وبث أول حلقتين خلال أيام الهدنة، ومن ثم عرض الحلقات الأخرى في أيام الجمعة التالية.

مهمة الفن في ظل النزاع

كان ضمان سلامة الفريق أحد أكبر التحديات، حيث صوروا تحت القصف المستمر، مما أجبرهم على التوقف في بعض الأيام، لكن إصرار المخرجين كان أقوى. لم يصب أي من أفراد الفريق، لكنهم كانوا يتعاملون مع خطر الموت يومياً.

يُعد تصوير الأفلام تحت القصف ظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل لها تاريخ طويل منذ الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى العدوان على غزة ومسلسل “من نقطة الصفر”، وحتى الحرب الـ 12 يوماً.

يصر المخرجون على التصوير في مواقع حقيقية وخطرة تحت القصف للوصول إلى واقعية لا يمكن تقليدها، ولإشعار المشاهد بالحدث بعمق أكبر. كما أن هذه المشاهد والأفلام ستصبح وثائق تاريخية فريدة.

خلال فترة الحرب الأخيرة، لم تتوقف سينما إيران، حيث ظلت دور السينما مفتوحة، مما يعكس محاولة المجتمع الإيراني العيش بشكل طبيعي ومواجهة الحرب بالفن والثقافة.

أفلام أخرى مثل “نيمه شب” (منتصف الليل) وفيلم “قماربازها” (المقامرون) هي أمثلة على إنتاجات فنية مماثلة أُنتجت إبان حرب الـ 12 يوماً، إلى جانب العديد من الوثائقيات التي لا تزال قيد الإنتاج.

في طهران، حيث لا تزال أصوات المضادات الجوية تذكر بالحرب، يصر قطاع السينما الإيراني على أن الحياة يمكن أن تنتصر بالكلمة والصورة، وأن الإبداع قد يزدهر تحت الأنقاض، ليسجل للأجيال القادمة كيف عاشوا وصنعوا الفن من رحم الألم.

ماذا بعد:

تستمر عملية عرض الحلقات المتبقية من مسلسل “أهل إيران” في الأيام المقبلة. يترقب الجمهور ردود الفعل المحلية والدولية على هذا العمل الفني الذي يعكس تجربة الحرب.