اقتصاد ينسج الخسارة.. كيف انهارت أقدم صناعة إيرانية؟

صناعة السجاد الإيراني تواجه خطر الاندثار: العقوبات والحرب تنذر بضياع إرث تاريخي
تشهد صناعة السجاد الإيراني، التي تعد جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاقتصادية للبلاد، أزمة خانقة تهدد مصيرها. فمع تفاقم العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة الحصول على المواد الخام، بالإضافة إلى تداعيات الحرب الأخيرة، يجد صانعو السجاد صعوبة بالغة في الاستمرار. وقد أدى ذلك إلى توقف العديد من الورش والمصانع، وتسريح آلاف العمال المهرة، مما يهدد بفقدان خبرة متوارثة عبر الأجيال.
السجاد الإيراني: من قمة التصدير إلى حافة الانهيار
كانت صناعة السجاد الإيراني، وخاصة في مدن مثل كاشان بمحافظة أصفهان، مصدر فخر وازدهار. ولكن اليوم، وصل الأمر إلى درجة أن 80% من ورش ومصانع السجاد الصغيرة والمتوسطة في كاشان قد توقفت عن العمل، وفقًا لشهادات صانعين مثل محسن طاهري (اسم مستعار). ولم تعد القضية قاصرة على صعوبات التصدير للخارج، بل امتدت لتشمل السوق المحلية التي تراجعت قدرتها الشرائية بشكل كبير، مما جعل شراء السجاد رفاهية مؤجلة بالنسبة للكثير من الأسر.
تأثيرات الحرب والعقوبات الاقتصادية
لم تتسبب الحرب المباشرة في إلحاق الضرر بمصانع السجاد، بل جاءت الضربة الحقيقية من خلال تعطيل سلسلة الإنتاج بأكملها، بدءًا من توفير المواد الخام وصولاً إلى البيع والتصدير. وشمل ذلك ارتفاع أسعار الألياف الصناعية، التي تشكل مادة أساسية في الكثير من السجاد الحديث. وقد اضطر العديد من أصحاب المصانع إلى تقليص العمالة، بل والتوقف التام عن العمل خلال فترات التصعيد.
تراجع صادرات السجاد ونقص العمالة الماهرة
تراجعت صادرات السجاد الإيراني بشكل دراماتيكي، حيث انخفضت إلى أقل من 40 مليون دولار في عام 2025، مقارنة بأكثر من ملياري دولار قبل ثلاثة عقود. هذا النزيف في عائدات التصدير مرشح للارتفاع مع استمرار تراجع القوة الشرائية للمواطنين. وتشير التقديرات إلى أن عدد النساجين انخفض إلى أقل من 700 ألف شخص، مقارنة بـ 6 ملايين شخص خلال التسعينيات، مما يمثل خسارة فادحة للخبرة والمهارة.
ضياع إرث ثقافي واقتصادي
يصف الخبير الاقتصادي الإيراني علي رضا صداقت ما حدث لصناعة السجاد بأنه نموذج مكثف لما أصاب الاقتصاد الإيراني بشكل عام. وأوضح أن الصناعة تأثرت بثلاثة عوامل رئيسية: الضربة المباشرة للبنية الصناعية وسلاسل الإمداد، والاختناق في الصادرات والتحويلات، والانهيار السريع في الطلب المحلي بسبب التضخم وتراجع قيمة الريال. وقد أدى استهداف المجمعات البتروكيماوية إلى ارتفاع كبير في أسعار الألياف والمواد الخام المستخدمة في صناعة السجاد الحديث.
ماذا بعد؟ احتمالات المستقبل
يبقى مستقبل صناعة السجاد الإيراني غامضًا. فمع استمرار التحديات الاقتصادية والسياسية، وتزايد المنافسة من دول مثل تركيا والهند والصين، تواجه هذه الصناعة التاريخية عقبات هائلة. ويتخوف القائمون عليها من زيادة أسعار المنتجات النهائية، واستمرار عزوف المستهلكين عن الشراء، والأهم من ذلك، فقدان المهارات المتوارثة التي تمثل جوهر الصناعة. يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هناك جهود فعالة ستُبذل لإنقاذ هذا الإرث الثقافي والاقتصادي الهام قبل أن يندثر تمامًا.
