آخرهم حمزة عبد الكريم.. لماذا يتطور اللاعب العربي في أوروبا؟

الانضباط الأوروبي: مفتاح تحول اللاعب العربي في عالم كرة القدم
يشهد عالم كرة القدم تحولاً ملحوظاً في بنية اللاعبين، لاسيما في العالم العربي، حيث أصبح الانضباط الرياضي والأخلاقي، المستلهم من الأندية الأوروبية، محط نقاش واسع. يعود هذا التطور إلى الأنظمة الغذائية والتدريبات العلمية المتبعة في أوروبا، والتي تساهم في بناء لياقة بدنية عالية وكتلة عضلية قوية، مما ينعكس إيجاباً على الأداء داخل الملعب. ويقترن ذلك بعامل حاسم آخر يتمثل في الانضباط النفسي والتكتيكي تحت إشراف المدربين الأوروبيين.
تقول الدكتورة سارة موس، الباحثة في علوم الرياضة بجامعة لوفبرو البريطانية، إن “اللاعب القادم من بيئات أقل تنظيماً يضطر سريعا للتكيف مع نظام يعتمد على العلم والبيانات، مما يعزز الانضباط تلقائياً”. في أوروبا، لا توجد ضمانات للمشاركة الأساسية، فاللاعب يخضع لتقييم مستمر بغض النظر عن اسمه أو تاريخه، وهذا ما يدفعهم إلى الالتزام الكامل للحفاظ على مواقعهم في التشكيلة.
تُعد الأنظمة الغذائية الصارمة والتدريبات العلمية الدقيقة ركائز أساسية في المنظومة الاحترافية الأوروبية، وهي عوامل ساهمت في تعزيز البنية الجسدية واللياقة البدنية للاعبين العرب الذين خاضوا تجارب احترافية في القارة العجوز. نجم ريال مدريد، أشرف حكيمي، أكد أهمية التغذية والاستشفاء في الحفاظ على جاهزيته البدنية، مشيراً في تصريح لموقع الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) إلى عمله مع مدربي اللياقة وخبراء التغذية لضمان حصوله على الغذاء والنوم الكافيين، وتركيزه على الاستشفاء السريع لمواجهة ضغط المباريات.
من جانبه، سلط محمد صلاح، نجم ليفربول، الضوء على الدور المحوري للتغذية في رحلته الاحترافية. وصرّح صلاح سابقاً لشبكة CNN بأن “التغذية مهمة جداً، وهي جزء من اللعبة”، موضحاً أنها ساعدته على التعافي والنوم بشكل أفضل، وجعلت جسده يتأقلم بسرعة. كما أكد أن “العضلات تبدأ من المطبخ وليس من الجيم”، مشيراً إلى أن تقليل الدهون والالتزام الغذائي كانا من أسرار الحفاظ على لياقته البدنية العالية.
تأثير المدربين الأوروبيين على الانضباط والتكتيك
تلقي البيئة الأوروبية بظلالها إيجاباً على سلوك اللاعب العربي، حيث يواجه ثقافة مختلفة تؤكد على احترام الوقت والانضباط الفردي، والفصل بين الحياة الشخصية والمهنية. وقد أشار مدرب أرسنال السابق، أرسين فينغر، إلى أن المنافسة في أوروبا “لا ترحم”، وأن اللاعب غير الملتزم “يفقد مكانه بسرعة مهما كانت موهبته”.
يُعزز هذا الجو الاحترافي من الانضباط التلقائي للاعب، خاصة عند رؤية نماذج للاعبين عرب تألقوا في بلدانهم ثم تراجع حضورهم بسرعة بعد أن انخرطوا في عالم الاحتراف الأوروبي. لم يقتصر تأثير هذه المنظومة على اللاعبين المنتقلين لأوروبا، بل امتد ليشمل اللاعب العربي الذي يتعامل مع مدرب أوروبي داخل بلده. وقد شهدت الكرة المصرية والخليجية أمثلة صارخة على ذلك.
تجربة المدربين الأوروبيين في المنطقة العربية
في مصر، ترك المدرب السويسري رينيه فايلر بصمة واضحة مع النادي الأهلي، حيث اتسم أسلوبه بالصرامة، مما أثار نقاشات حول استبعاد بعض اللاعبين، حتى ذوي القدرات الفنية العالية، وفي بعض الأحيان بسبب عدم الالتزام خارج الملعب. وشملت قراراته استبعاد لاعبين مثل صالح جمعة والحارس شريف إكرامي، وهو ما عكس نهجاً صارماً أثر على الأداء والنتائج.
وعلى نحو مماثل، طبق المدرب البرتغالي خورخي جيسوس نظاماً تدريبياً صارماً في الهلال السعودي، مع التركيز على الجاهزية البدنية والالتزام التكتيكي، وإقصاء أي لاعب لا يرقى للمستوى المطلوب. وتشير التقارير إلى أن جيسوس اتبع أسلوب التدوير وإجراء تغييرات جريئة في التشكيلة، مما عزز التنافسية ورفع مستوى الأداء الجماعي، وشهدت فترات إشرافه سلاسل انتصارات طويلة وهيمنة محلية واضحة للفريق.
ماذا بعد؟
هذه النماذج، سواء من أوروبا أو من تجارب المدربين الأجانب في المنطقة العربية، لا يمكن تعميمها، لكنها تشير بوضوح إلى ضرورة تكيف اللاعبين العرب مع المنظومات الاحترافية الصارمة لضمان نجاحهم واستمرارهم في أعلى المستويات. يظل السؤال المطروح حول مدى قدرة الأندية العربية على تبني هذه النماذج وتطبيقها بشكل مستدام، وكيفية مواجهة التحديات التي قد تنشأ عن التمسك بـ”أنماط وأساليب تفكير عفا عليها الزمن”، كما وصفها عالم النفس الرياضي الألماني رينيه باش، والتي قد تعيق روح الابتكار والتطور.