فنون

الصحراء والسلطة والمرض.. دراما العزلة في فيلم “هوبال” السعودي

فيلم “هوبال” السعودي، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، يشق طريقه إلى شاشات دور السينما ثم منصة نتفلكس، مقدمًا قصة مؤثرة عن العزلة والسلطة الأبوية في صحراء المملكة العربية السعودية خلال فترة حرب الخليج الثانية. الفيلم من إخراج عبدالعزيز الشلاحي وتأليف مفرج المجفل، ويضم نخبة من الممثلين السعوديين المخضرمين والشباب.

تدور أحداث الفيلم في بداية التسعينيات، في منطقة نائية قريبة من الحدود الكويتية، حيث تعيش عائلة بدوية تحت قبضة الجد ليام (إبراهيم الحساوي). يفرض ليام عزلة تامة على عائلته، مانعًا إياهم من الاقتراب من المدن، معتبرًا أي خيار للعيش في الحضر بمثابة نفي.

“هوبال”: هل قتلت الطاعة أبناء العائلة؟

يفرض ليام أيضًا قيودًا على أفراد عائلته بمنعهم من تلقي العلاج الطبي، إيمانًا منه بأن حرب الخليج الأولى تنبئ بقرب يوم القيامة، وأن الخلاص لا يتحقق إلا بالعزلة والطاعة المطلقة. تبدأ هذه المنظومة الصارمة بالاهتزاز عندما ينتشر مرض الحصبة بين الأطفال.

يجد أفراد الأسرة أنفسهم أمام خيار مصيري: إما الخضوع لتعليمات الجد والموت البطيء، أو التمرد والسعي للعلاج. يتحول المرض، في سياق الفيلم، إلى أداة لكشف الأسرار الدفينة داخل العائلة، ويكشف عن غموض وفاة الابن ماجد.

كما يصبح صمت الأخ شنار، الذي بدا في البداية مجرد حزن، مثارًا للشك والتأويل. هذا التطور يجعل المرض بمثابة مرآة تعكس التاريخ العائلي غير المعلن.

يمكن تفسير المرض في “هوبال” كنتيجة للانضباط القسري والتكتم المزمن الذي تفرضه السلطة الأبوية. يظهر الجسد وكأنه يدفع ثمن الخضوع الأعمى والرفض المطلق للمساءلة، مما يؤدي إلى اختلال داخلي يتجسد جسديًا.

يقدم الفيلم المرض كعرض لمشكلة أعمق في منظومة مغلقة تقصي الحوار وتستبدل التفكير بالخوف. عندما يُمنع الجسد من التعبير، يصبح الألم لغة، والمرض ثمنًا للطاعة المطلقة.

يضع “هوبال” السلطة الأبوية في قلب التحليل، ليس كشريرة، بل كرجل يؤمن بحماية أسرته. يكشف الفيلم تعقيدات هذا النموذج وكيف يمكن للسلطة الأبوية، حتى لو كانت بنوايا حميدة، أن تتحول إلى قمع.

من حرب الخليج إلى عزلة الصحراء

ترتبط أحداث الفيلم بحرب الخليج الثانية، إلا أن عزلة الجد ليام تعود إلى ما قبلها، حيث بدأ يرى في التحولات الدولية نذيرًا دينيًا. بالنسبة له، لم تكن الحروب مجرد صراعات سياسية، بل علامات تقترب من يوم القيامة، ما يبرر له الانسحاب التام وفرض الحصار على عائلته.

في تصور ليام، تتحول الصحراء إلى ملاذ روحي يحمي أسرته من “فساد” الحضارة. الابتعاد عن المدن ليس مجرد هروب، بل هو عودة متخيلة إلى أصل نقي.

لكن هذا الملاذ يتحول إلى سجن مفتوح، حيث يصبح الفضاء الواسع أضيق من المدينة التي يخافها، مما يكشف عن الوجه القاسي للصحراء بين الطهارة المتخيلة والعزلة القاتلة.

يصور المخرج عبدالعزيز الشلاحي الصحراء كمكان موحش، باستخدام لقطات عامة طويلة تقلل من شأن الشخصيات أمام اتساع الرمال. هذا الاختيار البصري يؤكد على الشعور الدائم بالتهديد.

تعزز الإضاءة الطبيعية وهج الشمس الشعور بالوحشة، حيث تخلو المشاهد من الظلال وتمنح الصورة قسوة بصرية. تهيمن درجات اللون الأصفر للرمال، مما يعمق الإحساس بالعزلة.

يتميز إيقاع الفيلم بالبطء المتعمد، ليتناسب مع طبيعة المكان والفكرة. يسمح هذا البطء بتراكم التفاصيل واكتشاف التصدعات داخل العائلة ببطء، مما يعكس أثر العزلة المفروضة.

في خضم هذا الواقع، يتسلل بعد غرائبي، خاصة مع اختفاء الجد ليام. اختفاؤه لا يُقدم كحدث بوليسي، بل كعلامة ملتبسة، كأن شخصيته التي قرأت العالم كإشارات غيبية أصبحت جزءًا من إشارة غامضة جديدة.