الفيلم الكوري “حتى لو اختفى هذا الحب من العالم الليلة”.. القلوب لا تنسى

يسعى الفيلم الكوري الجنوبي الجديد “حتى لو اختفى هذا الحب من العالم الليلة” إلى تقديم تجربة سينمائية فريدة، ترتكز على الصدق العاطفي بدلًا من الصدمات الدرامية الكبرى. الفيلم، المقتبس من رواية يابانية تحمل الاسم نفسه، يستكشف ثيمة فقدان الذاكرة قصير المدى، وهو تحدٍ درامي يتجلى في عدد محدود من الأعمال السينمائية العالمية.
“حتى لو اختفى هذا الحب من العالم الليلة”: قصة حب تتجدد كل صباح
بدأ عرض الفيلم الكوري الجنوبي “حتى لو اختفى هذا الحب من العالم الليلة” في دور السينما في ديسمبر/كانون الأول 2025، قبل أن يصبح متاحًا على منصة “نتفليكس” في فبراير/شباط 2026. يلامس الفيلم مناطق حساسة في النفس البشرية من خلال قصته المؤثرة حول الحب وفقدان الذاكرة.
تدور أحداث الفيلم حول هان سيو-يون، طالبة ثانوية تعاني من حالة طبية نادرة تُعرف بـ”فقدان الذاكرة التقدمي” بعد تعرضها لحادث. تصبح مأساة سيو-يون مضاعفة بسبب فقدانها للذاكرة كل ليلة بمجرد خلودها للنوم، فهي تستيقظ كل صباح معتقدة أن يومها التالي ليوم الحادث مباشرة.
لتجاوز هذا الواقع الصعب، تعتمد سيو-يون على الاحتفاظ بمذكرات مفصلة تسجل فيها أحداث يومها، لتتمكن من قراءتها في الصباح التالي واستيعاب هويتها وما حدث لها بالأمس.
حب جديد كل يوم
في خضم هذه المعاناة، يدخل كيم جاي-وون، الذي يؤدي دوره الممثل تشو يونغ-وو، حياة سيو-يون. تبدأ علاقتهما كتحدٍ بسيط بين زملاء المدرسة، لكن جاي-وون، الشاب الهادئ الذي يعيش حياة روتينية، يجد نفسه منجذبًا بصدق إلى سيو-يون.
يتحول فقدان الذاكرة في الفيلم من مجرد حيلة سينمائية إلى أداة لاستكشاف مفاهيم الصبر والتضحية. الحب بالنسبة لجاي-وون لا يعتمد على تراكم الذكريات، بل هو “اختيار” يتخذه كل صباح، مدركًا أنه سيواجه حبيبته من نقطة الصفر في كل مرة تشرق فيها الشمس.
تجنب الفيلم استخدام الدراما الصارخة، مفضلًا السماح للعلاقة بالنمو ببطء وتدرج (Slow Burn). يشاهد المشاهد ذلك من خلال الوجبات المشتركة، والملاحظات المكتوبة بخط اليد، ولحظات سوء الفهم البسيطة، وعمليات التعريف المتكررة بالذات.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي منحت الفيلم ثقله العاطفي، وجعلت المشاهد يدرك أن الحب هو “فعل” مستمر وليس مجرد ذكرى عابرة.
أداء يسكن الوجدان
قدمت الممثلة شين سي-آه أداءً مؤثراً لشخصية “سيو-يون”، متجاوزةً مجرد تصوير حالتها المرضية. لم تظهر كضحية، بل كشابة مفعمة بالحيوية، والفضول، والضعف الإنساني. نجحت في تحويل شفقة الجمهور إلى إعجاب وحب لإرادتها، وذلك بتجسيدها لـ”دهشة البداية” التي تشعر بها كل صباح، مع الحفاظ على جوهر الشخصية ثابتًا.
في المقابل، قدم تشو يونغ-وو أداءً رصينًا وهادئًا في دور “جاي-وون”، حيث تحول من شاب متردد إلى شخص يكرس حياته لسعادة شخص آخر. تجلى هذا التحول في نظراته وطريقة تعامله مع نسيان سيو-يون المتكرر.
لعب ممثلو الأدوار الثانوية دورًا مهمًا في معادلة الفيلم، حيث مثلت صديقة سيو-يون المفضلة وعائلتها ملاجئ عاطفية، مما أضاف عمقًا للعالم الخارجي.
ساعدت الأدوار المساعدة المشاهد على فهم أن الحب، حتى مع فقدان الذاكرة اليومي، لا يحدث في فراغ، بل يتأثر بالبيئة المحيطة والداعمين الذين يتحملون عبء الذاكرة نيابة عن البطلة.
استخدمت المخرجة كيم هي-يونغ إضاءة ناعمة، ومواقع خارجية هادئة، ولوحة ألوان دافئة تعكس جمال اللحظة الحالية، وهو توجه جمالي يتماشى مع فكرة الفيلم حول ضرورة الاعتزاز بالحاضر لأن المستقبل غير مضمون.
يتجلى ذكاء صناع العمل في كيفية تناول فكرة “التكرار”. فكل صباح تستيقظ فيه سيو-يون يبدأ فيه الفيلم من جديد، ولكن بتغييرات طفيفة في التفاصيل. هذا التكرار ليس رتيبًا، بل هو تأمل فلسفي في كيفية تعايش الاتصال البشري مع تلاشي المعلومات.
يطرح الفيلم فكرة أن “أثر” الذكرى يبقى في القلب كشعور، حتى لو غابت المعلومة عن الدماغ.
يبدأ الفيلم كقصة حب لطيفة مليئة بالمواقف المحرجة والرسائل النصية الخجولة، لكنه تدريجيًا يكشف عن طبقات أعمق من الشجن، ويطرح سؤالًا أساسيًا: إذا اختفت الذاكرة، فما الذي يبقى من الحب؟
إيقاع بطيء
على الرغم من نقاط قوته، لم يخلُ الفيلم من بعض المآخذ. قد يبدو الالتزام الصارم بالإيقاع البطيء والمتكرر ثقيلًا على بعض المشاهدين. كما أن احتلال البطلين لمعظم مشاهد العمل يقلل من فرص استكشاف تطور الشخصيات الأخرى أو سياقات مجتمعية أوسع.
لم يكن هدف الفيلم هو تصوير صراعات كبرى، بل التأكيد على “الصدق” كبديل عن “الاستعراض”، وعلى أهمية الإيماءات الإنسانية الصغيرة، سواء كانت ضحكة مشتركة، أو شرحًا متكررًا لواقع مؤلم، أو ملاحظة بسيطة تُترك على مكتب.
يُقدم الفيلم تذكيرًا رقيقًا ومريرًا بأن الحب لا يعتمد دائمًا على الذاكرة المشتركة أو التاريخ الطويل. في بعض الأحيان، الحب هو مجرد تلك القرارات المخلصة التي نتخذها يوميًا، حتى لو كنا نعلم أننا سننسى كل شيء بحلول الصباح.
لم تسعَ النسخة الكورية من الرواية إلى إعادة ابتكار القصة بقدر ما ركزت على “تلطيفها”، محولة إياها من مجرد فكرة رومانسية حزينة إلى تساؤل فلسفي عميق حول ما يبقى من الإنسان عندما تخذله الذاكرة، لتجد الإجابة في المساحة الفاصلة بين الاختيار الحر، والحنان المتبادل، والإرادة الصلبة للبقاء رغم النسيان.
