فنون

بين الملاكمة والعصابات النسائية: كيف أعاد “ألف ضربة” تشكيل الحقيقة؟

بدأ المسلسل البريطاني “ألف ضربة” (A Thousand Blows) يحظى باهتمام واسع منذ عرضه، مقدمًا استكشافًا عميقًا لأجواء الملاكمة في القرن التاسع عشر، مع تفكيك للبنية الاجتماعية للعصر الفيكتوري وآليات السلطة التي كانت سائدة آنذاك. وينتمي العمل إلى فئة دراما الجريمة التاريخية، وقد نجح المسلسل على مدار موسمين في مزج عناصر القتال، وحياة الطبقة العاملة، وصراعات شخصيات تسعى للبقاء في مواجهة نظام قاسٍ.

يأتي المسلسل من تأليف ستيفن نايت، المعروف بتقديم عوالم ذكورية قوية تستكشف الانتماء والهيمنة. لكن “ألف ضربة” يضيف بعدًا عرقيًا وطبقيًا أكثر تعقيدًا، يربط بين الهجرة والاستعمار والصعود الاجتماعي في مدينة لا ترحم الغرباء. يعكس العمل صراعات الأقليات والمهاجرين في بيئة استعمارية.

بين التوثيق والدراما

يستند المسلسل جزئيًا إلى وقائع حقيقية من عالم الملاكمة غير القانونية في شرق لندن، وسيرة عصابة “الأربعين فيلا” (Forty Elephants) النسائية التي نشطت في سبعينيات القرن التاسع عشر. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن 35% فقط من أحداث المسلسل مبنية على وقائع تاريخية، وهو ما يكفي لتثبيت الدراما على أرض واقعية.

تتمثل هذه الحقائق في البيئة الاجتماعية، بما فيها الفقر، والتمييز الطبقي، وانتشار الحلبات السرية، ونشاط العصابات النسائية. أما بقية الخطوط الدرامية فقد جرى تطويرها ودمجها بمواد تشويقية، أُعيدت صياغتها لخدمة البناء الدرامي ومنح الشخصيات مساحات تتجاوز حدود التوثيق المباشر، لتتحول الوقائع إلى مواد إنسانية قابلة للتأويل.

إعادة توزيع القوى

في الموسم الأول، تركزت الأحداث حول شابين من جامايكا يصلان إلى لندن بحثًا عن فرص أفضل، فيجدان نفسيهما في قلب عالم الملاكمة الذي تحكمه شبكات نفوذ معقدة. تتقاطع رحلتهما مع زعيم قتال مخضرم يرفض صعود الوافدين الجدد، وقائدة عصابة نسائية تدير عمليات سرقة منظمة تحت غطاء اجتماعي خادع.

أعطى المسلسل إحساسًا قويًا بأننا لا نشاهد مجرد صراعات جسدية، بل تاريخًا كامنًا يتحرك خلف كل لكمة، وكأن المدينة نفسها تشارك في القتال كطرف فاعل في صناعة المصائر. مع بداية الموسم الثاني، اتسعت الدائرة وتضاعفت التعقيدات، ليتحول الصراع من مجرد إثبات الذات داخل الحلبة إلى صراع نفوذ خارجها، مع تعزيز الطموحات وجرأتها.

أيهما أنجح؟

حقق الموسم الأول أصداء إيجابية واسعة، حصد نسب مشاهدة مرتفعة ودخل قائمة الأعمال الأكثر متابعة في أوروبا، ونال تقييمات نقدية مشجعة. بينما لم يصل الموسم الثاني إلى مستوى الحماس ذاته، واكتفى بالحفاظ على قاعدة المشاهدين نفسها، محققًا استقرارًا رقميًا. يعود تفوق الموسم الأول إلى عنصر الاكتشاف، وفضول الجمهور تجاه عالم غير مطروق بكثافة، بالإضافة إلى سمعة ستيفن نايت.

تميز الموسم الأول ببناء بصري قوي للعصر الفيكتوري، سواء على مستوى الأزياء أو الديكورات، مما خلق انطباعًا أوليًا جذابًا. كما تمتع بسرد متماسك وحافظ على خط درامي مركزي واضح مع تصاعد تدريجي للتوتر. ساهم الأداء التمثيلي في تعزيز النجاح، خاصة من جانب مالاشي كيربي (هيزيكايا)، وإيرين دوهرتي (ماري كار)، وستيفن غراهام (شوغر).

لماذا بدا الموسم الثاني أقل تأثيرا؟

جاءت ردود الأفعال تجاه الموسم الثاني أقل حماسة نسبيًا. ورغم الحفاظ على جودة الصورة والإخراج ومشاهد الملاكمة المصورة بإيقاع حسي متقن، إلا أن صانعيه وقعوا في بعض المآخذ، أبرزها تشعب الخطوط الدرامية على حساب العمق والتركيز. كما أن توسع الصراعات، التي جرى التمهيد لها لفترة طويلة دون أن تبلغ الذروة المرجوة بالسرعة الكافية، أثر على الإيقاع العام وجعله يبدو أبطأ مقارنة بالموسم الأول.

مستقبل العمل

رغم التقييمات المتفاوتة، تجاوزت تقييمات الموسم الثاني 7 نقاط على موقع “آي إم دي بي” (Imdb) وصولًا إلى 7.7 للحلقة الأخيرة. ولم تحسم المنصة بعد احتمالية استمرار العمل لموسم ثالث، حيث لا توجد تصريحات رسمية تؤكد التجديد أو الإلغاء، وهو ما يتماشى مع نهاية مفتوحة تصلح للبناء عليها. يبقى الجمهور في ترقب، خاصة في ظل قدرة ستيفن نايت على تقديم دراما قابلة للتمدد.

يقدم المسلسل “ألف ضربة” تجربة مكثفة تجمع بين العنف الرمزي والتحليل الاجتماعي، باستخدام الحلبة كاستعارة لصراع الهوية والطبقة والانتماء. يطرح العمل سؤالًا قديمًا بصيغة جديدة: هل يكفي أن تنتصر في الحلبة، أم أن المعركة الحقيقية تدور في المجتمع الذي يحدد من يحق له الصعود؟ المسلسل من تأليف ستيفن نايت، وبطولة جماعية تضم مالاشي كيربي، وإيرين دوهرتي، وستيفن غراهام، وآخرين.