فنون

حكاية شعبية مرعبة.. هكذا نجحت إلهام علي في إحياء أسطورة “عرس الجن”

في شهر رمضان الذي اعتاد على تقديم الأعمال الدرامية الاجتماعية المريحة والكوميديا العائلية، فاجأت حلقة “عرس الجن” من المسلسل الكويتي “وحوش 2” الجمهور بتقديم عنصر الرعب بشكل غير متوقع. وسرعان ما انعكس هذا التحول الدرامي على التفاعل الجماهيري، حيث تصدر وسم #عرس_الجن قوائم الترند، وانتشرت مقاطع من الحلقة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يؤكد أن عنصر المفاجأة والعناصر غير المتوقعة لا تزال قادرة على جذب الانتباه، وأن المنصات الرقمية تلعب دوراً محورياً في تحديد معايير النجاح.

“عرس الجن” لم يكن مجرد حلقة عابرة في موسم دراما رمضان 2026، بل يمثل حالة فنية أعادت تعريف مفهوم الرعب في الدراما العربية. استلهم المسلسل حكاية شعبية كويتية متداولة منذ التسعينيات حول مطربة تكتشف أن الحفل الذي أحيت فيه حفلاً غامضاً هو في الواقع “عرس للجن”. نجح العمل في مزج الأسطورة المحلية بالصناعة البصرية الحديثة، ليخلق جسراً بين القديم والجديد، بين الخيال الشعبي والدراما المعاصرة.

سردية الأسطورة واستثمار الذاكرة الجمعية

تكمن قوة “عرس الجن” في استخدامه لأسطورة مدينية متجذرة في الوعي الجمعي الكويتي، وهي قصة يعرفها معظم الجمهور الخليجي من حكايات الطفولة. هذا الأمر منح العمل قابلية تصديق عالية لدى المشاهد قبل مشاهدة الحلقة الأولى.

اعتمد المخرج سعيد الماروق على ما يمكن تسميته بـ”الرعب المسبق”؛ فالمشاهد يدخل العمل وهو يمتلك خلفية عن القصة، مما يولد لديه شعوراً بالخوف قبل بدء العرض الفعلي. نجح المسلسل في تحويل الحدث الاجتماعي المألوف والمبهج (الزفاف) إلى بؤرة للتوتر النفسي، خالقاً عالماً من “الواقعية السحرية المظلمة” التي تمزج المألوف بالغرائبي دون فقدان مصداقيتها.

البناء البصري وصناعة الخوف بالتشويق البطيء

تبنى “عرس الجن” أسلوب الرعب النفسي القائم على التشويق البطيء (Slow Burn)، متجنباً الكليشيهات المبتذلة مثل القفزات المفاجئة أو الصراخ المتكرر. سعى المخرج لخلق الخوف تدريجياً عبر الإضاءة الخافتة، والظلال، والفراغات السمعية التي تمنح المشاهد مساحة لتخيل الأسوأ.

تحولت الإضاءة والديكور إلى أدوات سردية، حيث تم استخدام منازل معتمة وممرات ضيقة ومساحات صماء لخلق أجواء مشحونة. تم التعامل بحذر مع المكياج والمؤثرات البصرية لجعل الرعب أقرب إلى الواقع، حيث ظهر “الجن” كظل يتسلل إلى ملامح البشر.

لعبت الهندسة الصوتية دوراً مهماً في توليد التوتر، حيث خلقت الأصوات الغامضة والتنفسات البعيدة بيئة حسية تثير أعصاب المشاهد بقدر ما ترعبه الصورة.

إلهام علي.. عبور الأداء إلى قلب الكابوس

يُعد أداء الممثلة إلهام علي من أبرز عوامل نجاح العمل، حيث جسدت شخصية المطربة الشعبية التي تنتقل من الثقة والاطمئنان إلى الوقوع في كابوس ماورائي خانق. اعتمدت على لغة الجسد ونظرات القلق المتصاعد بدلاً من الحوار أو الصراخ المباشر.

أضفى هذا الأداء الدقيق على الرعب صدقاً إنسانياً، وجعل المشاهد قريباً من التجربة ومتفاعلاً مع توترها. أشادت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي بأدائها، واعتبر الكثيرون أنها حملت العبء الأكبر للعمل وأن حضورها كان تجسيداً بصرياً لحالة الرعب.

التلقي والجدل.. حين يتقاطع الدين والمجتمع والفن

أثار عرض حلقة “عرس الجن” خلال شهر رمضان جدلاً ثقافياً ودينياً. تساءل الجمهور عن توقيت عرض قصة تدور حول الجن والشياطين في شهر يُروى أنه شهر تصفيد الشياطين.

يعكس هذا الجدل تحولاً في العلاقة بين الهوية الدينية المحافظة والفن المعاصر. لم يرفض المشاهد الخليجي الرعب بحد ذاته، بل ناقش حدوده الأخلاقية والدينية، مما يشير إلى أن الأعمال الفنية تشارك بفاعلية في النقاش الثقافي العام.

كشفت تعليقات مثل “أشاهده نهاراً كي لا أخاف” عن أثر نفسي مباشر للحلقة، بعدما نجحت في كسر نمط المشاهدة الرمضانية المعتاد، وتعكس رغبة المشاهد العربي في خوض تجربة وجدانية أعمق.

يشير العمل إلى تغير في الذائقة الخليجية تجاه أنواع الدراما، حيث أصبح الجمهور أكثر استعداداً لتقبل الرعب النفسي عندما ينبع من بيئته الثقافية. يعكس “عرس الجن” وعياً جديداً يرى في الفن وسيلة للتعبير عن مخاوف الحاضر عبر رموز مألوفة في الذاكرة الشعبية.

الرعب وتحولات المجتمع

يمكن النظر إلى العمل كمرآة للتحولات الاجتماعية في المجتمع الخليجي. يمثل الجن في المخيال الشعبي غالباً خطراً غير مرئي يهدد الاستقرار، واستدعاؤه في سياق معاصر يعبر عن القلق من المجهول.

بهذا المعنى، يتجاوز الرعب وظيفته التخويف المباشر ليصبح مساحة للتفكير في المخاوف الجمعية المرتبطة بالهوية والتحولات السريعة.

هوية بصرية خليجية بمعايير عالمية

يرسخ العمل على المستوى البصري ملامح هوية جمالية خليجية تمزج بين الإتقان التقني والحس المحلي. الاهتمام بالتفاصيل، من الأزياء الشعبية والمكياج إلى مواقع التصوير، يمنح المشاهد إحساساً بصورة عربية أصيلة.

تقدم منصة “شاشا” من خلال هذا العمل إنتاجاً نوعياً يواكب ما تقدمه المنصات الكبرى، مؤكدة قدرة الصناعة الخليجية على تقديم محتوى بصري متماسك دون الحاجة لاستنساخ نماذج الرعب الغربية.

تقاطع الفن والمجتمع والذاكرة

لا تقتصر أهمية “عرس الجن” على نجاحه كعمل رعب، بل تتجاوز ذلك لتكون مساحة يلتقي فيها الفن بالدين والمجتمع والأسطورة. أتاح العمل للمشاهد فرصة إعادة النظر في مخاوفه القديمة عبر معالجة جمالية متقنة.

بهذا المعنى، يتحول المسلسل إلى تجربة ثقافية، يختبر فيها قدرة الدراما الخليجية على التجدد والتعبير عن قضاياها بلغة معاصرة.

يمكن اعتبار “عرس الجن” علامة لافتة في مسار الدراما الخليجية التي بدأت تخوض تجارب فنية غير مألوفة، حيث يجمع بين الحكاية الشعبية والرعب النفسي، والذاكرة الجمعية والتقنيات الحديثة.

الرعب ومرآة الداخل

لا تقتصر أعمال الرعب على إثارة الخوف، بل تفتح باباً للتفكير في علاقتنا بمخاوفنا العميقة. يمنح الفن هذا الإحساس ملامحه، لنكتشف أن الرعب قد يتشكل من الداخل، منتظراً لحظة الظهور.

يبقى التساؤل حول ما إذا كان هذا النوع من الدراما سيشهد المزيد من التطور في المواسم القادمة، ومدى قدرة الأعمال الخليجية الأخرى على تقديم تجارب رعب مبتكرة لا تعتمد فقط على الأساطير المحلية، بل تستكشف تعقيدات نفسية واجتماعية أعمق.