فنون

علم فلسطين يُرفع في مهرجان برلين و”رسائل صفراء” يقتنص الذهب

في ليلة ختام الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي الدولي، السبت 21 فبراير/شباط 2026، تحولت قاعة “برليناله بالاست” إلى منصة مواجهة مفتوحة. لم تكن كلمات المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب مجرد خطاب قبول جائزة، بل كانت “صرخة” مدوية انتقد فيها بشدة موقف الحكومة الألمانية من الحرب في غزة، مؤكدًا أن “الفلسطينيين سيكونون أحرارا”. هذا الموقف الشجاع، الذي تحدى الضغوط، وصف بأنه “الذروة العاطفية” للمهرجان، ليثبت أن السينما هي “الملاذ الأخير” للمعهود والاحتجاج.

شهدت الليلة نفسها تتويج الفيلم الألماني-التركي “رسائل صفراء” (Gelbe Briefe / Yellow Letters) للمخرج إلكر تشاتاك بجائزة “الدب الذهبي”. هذا الفوز يمثل لحظة تاريخية، كونه الأول لمخرج ألماني منذ أكثر من عقدين. وأكد تشاتاك على أن الفوز يمنح صوتًا لمن لا صوت لهم، محذرًا من صعود الأنظمة المقيدة للحرية، ومستحضرتًا دروس التاريخ كحصن أخير ضد الشمولية.

فوز “رسائل صفراء” و”حكايات من الحصار” يسلط الضوء على قضايا حقوق الإنسان في مهرجان برلين

ليلة التتويج والاحتجاج

تنوعت الطروحات الجمالية والسياسية في المسابقة الرسمية التي ضمت 22 فيلما. ففي حين نال “رسائل صفراء” الدب الذهبي، تناول الفيلم الألماني-التركي قصة زوجين فنانين في تركيا يواجهان الملاحقة الأمنية بسبب نشاطهما الرقمي. كما فاز فيلم “الخلاص” (Kurtuluş / Salvation) بالدب الفضي (الجائزة الكبرى للجنة التحكيم) مقدمًا رؤية ملحمية للصراعات الأخلاقية والسياسية في القرى النائية.

حصد فيلم “ملكة في البحر” (Queen at Sea) الدب الفضي (جائزة لجنة التحكيم)، مستعرضًا تجربة تأملية حول العزلة الإنسانية. وفاز المخرج غرانت غي بجائزة الدب الفضي لأفضل إخراج عن فيلم “الجميع يعشق بيل إيفانز” (Everybody Digs Bill Evans)، الذي يوثق سيرة الفنان بيل إيفانز.

نالت الممثلة ساندرا هولر الدب الفضي لأفضل أداء رئيسي عن دورها في فيلم “وردة” (Rose)، بينما ذهبت جائزة أفضل أداء مساند مناصفة لتوم كورتيناي وآنا كالدر-مارشال عن فيلم “ملكة في البحر”. وفاز فيلم “نينا روزا” (Nina Roza) بجائزة أفضل سيناريو.

حصل فيلم “يو (الحب طائر متمرد)” (Yo – Love is a Rebellious Bird) على جائزة المساهمة الفنية المتميزة. وفي فئة الأفلام الوثائقية، فاز فيلم “لو تحول الحمام إلى ذهب” (If Pigeons Turned to Gold) بالدب الفضي. وأخيرًا، نال الفيلم الفلسطيني “حكايات من الحصار” (Chronicles From the Siege) للمخرج عبد الله الخطيب جائزة أفضل عمل أول.

زلزال التضامن والاحتجاج السياسي

لم يغب صدى الحرب في غزة عن فعاليات المهرجان، حيث تحولت المنصة إلى ساحة للاحتجاج. كانت كلمة المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب، التي انتقد فيها الصمت الدولي وموقف الحكومة الألمانية، نقطة محورية، منهيًا خطابه بصرخة “الفلسطينيين سيكونون أحرارا”، مما أثار موجة تصفيق حاد.

في موقف لافت، رفضت المخرجة التونسية كوثر بن هنية تسلم جائزة عن عملها “صوت هند رجب”، معتبرة الجائزة تذكيرًا بالدم لا تكريمًا للفن. كما انسحبت الكاتبة الهندية أرونداتي روي احتجاجًا على دعوة رئيس لجنة التحكيم، فيم فيندرز، لإبعاد السينما عن السياسة.

استجاب فيندرز لاحقًا بدعوة السينمائيين والناشطين لأن يكونوا “حلفاء لا خصوم”، مؤكدًا أن السينما، رغم افتقارها للجيوش، قادرة على “اختراق الجدران”. وعلى السجادة الحمراء، وقّع أكثر من 80 مشاركًا، بينهم خافيير بارديم وتيلدا سوينتون، على رسالة مفتوحة تتهم المهرجان بـ “الصمت المؤسسي” تجاه غزة.

منصة المواجهة في السينما

تميزت الدورة الـ76 بميل واضح نحو “سينما المواجهة” التي تتعمق في الأزمات الإنسانية. لم تكن الجوائز مجرد تقييم فني، بل انحيازًا للأفلام الجريئة في قول الحقيقة. يؤكد فوز “رسائل صفراء” واحتفاء القاعة بـ “حكايات من الحصار” على دور السينما كسلاح قوي ضد التعتيم، وأن المهرجانات العالمية هي مساحة للتنفس الحر للفن.

مع إسدال الستار، تبقى أصوات المحتجين وكلمات الفائزين تتردد، مذكرة بأن السينما هي “الملاذ الأخير” للحلم والاحتجاج، وأن الفن الذي يلامس قضايا الإنسان يتحول إلى وثيقة تاريخية للتغيير.