فيلم “ساعي البريد”.. البوابة السرية لتجنيد الجواسيس

يُسلط فيلم “ساعي البريد” (The Courier) الضوء على الجوانب النفسية والبيروقراطية لعمليات التجنيد في عالم الجاسوسية، مبتعدًا عن الإثارة المفرطة التي تميز أفلام الجاسوسية التقليدية. يركز المخرج البريطاني دومينيك كوك على تفاصيل عملية انخراط شخص عادي في مهمات استخباراتية بالغة الخطورة، مقدمًا رؤية هادئة وصادقة لكيفية تحول مدني إلى عميل سري.
“ساعي البريد”: تجنيد مدني في قلب الحرب الباردة
يبدأ فيلم “ساعي البريد” رحلته في عالم التجسس بشكل مختلف، حيث لا يركز على مطاردات السلاح أو القدرات الخارقة، بل على عملية “التجنيد” نفسها. يقدم المخرج دومينيك كوك، المعروف بأسلوبه الهادئ في السرد وقدرته على إبراز الشخصيات، قصة غريفيل وين، رجل الأعمال البريطاني الذي لم يكن لديه أي تدريب أو دوافع أيديولوجية للسفر إلى عالم الجاسوسية. بدلاً من ذلك، وجد وين نفسه فجأة قناة سرية لنقل المعلومات بين الاستخبارات البريطانية والأمريكية وضابط سوفيتي رفيع المستوى، وهو أوليغ بينكوفسكي.
تتمحور القصة حول اختيار شخص يبدو “غير مرئي” في بيئته التجارية، مما يجعله المرشح المثالي لتنفيذ مهام سرية دون لفت الانتباه. يتابع الفيلم بتأنٍ كيف يتحول هذا المدني العادي إلى شخص يعيش بوجهين، وجه يحاول الحفاظ على استقراره العائلي ووجه آخر يغرق في الخوف والترقب المستمر. هذا التحول الدرامي هو جوهر ما يميز “ساعي البريد”، مما يجعله يبتعد عن صورة الجاسوس التقليدي.
التجنيد الهادئ: استراتيجيات الأجهزة الاستخباراتية
يعتمد فيلم “ساعي البريد” على مبدأ أن الجاسوس المثالي هو الذي لا يتوقعه أحد. تظهر الاستخبارات البريطانية وهي تقترب من وين تدريجيًا، مستخدمة لغة الإقناع الناعمة بدلاً من الضغط والتهديد المباشر. يتم تقديم المهمة على أنها مؤقتة وغير معقدة، أشبه بدور “ساعي بريد” بيروقراطي، وهو تكتيك شائع في عالم التجسس لنصب الفخاخ.
يعكس فيلم “ساعي البريد” ببراعة كيف يمكن للظروف السياسية، مثل أزمة الصواريخ النووية عام 1962، أن تدفع الأفراد إلى اتخاذ قراراتهم، حيث كان الخوف من حرب نووية دافعًا قويًا لوين للمشاركة. يتم تقديم التجسس هنا ليس كمغامرة، بل كعمل بيروقراطي محمّل بالخوف والضعف الإنساني، مما يختلف عن أسلوب أفلام الجاسوسية التقليدية المليئة بالإثارة والعنف.
تميز أداء بنديكت كامبرباتش في دور غريفيل وين ببراعة جسدية، حيث بدا وكأنه يتضاءل مع تطور الأحداث، ونقلت إيماءاته العصبية توتر الموقف دون الحاجة إلى حوار. كما أضاف ميراب نينيدز، في دور أوليغ بينكوفسكي، ثقلاً قيمًا للفيلم بهدوئه واتزانه. تجنب المخرج وتوم أوكونور، كاتب السيناريو، الميلودراما، وركزوا على الواقعية في السرد البصري والنصي.
تستعرض الكاميرا البيئات القاتمة كالممرات الضيقة وغرف الفنادق، والإضاءة المعتمة التي تعزز الشعور بالمراقبة والخوف من الفضح. تبدو موسكو في الفيلم كفضاء يضيق على من فيه، تحيط به درجات الرمادي واللون الأزرق الباهت. يعتمد الفيلم على إيقاع بطيء، لكن هذا البطء يلعب دورًا كبيرًا في بناء شعور القلق والتوتر لدى المشاهد. الموسيقى التصويرية الرقيقة تساهم في إعطاء السرد غلافًا داعمًا، مما يمنح الفيلم خفة وسط ثقل المشاعر.
يعد “ساعي البريد” استثناءً بين أفلام الجاسوسية، حيث يقدم سمة إنسانية لبطليه، ويصور التجسس كجزء من العمل البيروقراطي، مدعومًا بالخوف والضعف الإنساني. نجح الفيلم في كسب مكانة خاصة بفضل حساسيتة وزاويته الإنسانية، مما جعل مهمة الجاسوس تبدو وكأنها مهمة لإنقاذ العالم، وهو مبرر كافٍ ليؤثر في أي شخص.
ماذا بعد؟ على الرغم من نجاح “ساعي البريد” في تقديم منظور فريد لعالم الجاسوسية، يبقى التحدي في استمرارية تقديم هذه النوعية من الأعمال الهادئة والواقعية في ظل الطلب المتزايد على أفلام الحركة والإثارة. المستقبل سيحمل إجابات حول ما إذا كانت هذه الزاوية الإنسانية والقلقة ستجد جمهورًا متزايدًا.
