كيف حوّل زكي ناصيف دبكة القرية اللبنانية إلى هوية وطنية؟

في 31 مارس/آذار 2026، يستذكر العالم فيلما موسيقيا استثنائيا، حيث يحتفى بالملحن اللبناني الكبير زكي شاكر ناصيف، الذي أمضى 51 عامًا في تحويل كنوز التراث الشعبي الشفهي إلى هوية موسيقية وطنية راسخة. بأكثر من 1100 مقطوعة موسيقية، جسد ناصيف العلاقة العميقة بين الإنسان اللبناني وأرضه وتاريخه، محولاً الأغنية الشعبية من ذاكرة مهددة بالنسيان إلى إرث خالد.
ولد زكي شاكر ناصيف في الثالث من يوليو/تموز عام 1916 في بلدة مشغرة بالبقاع اللبناني. نشأ في أسرة متعددة الأفراد، وعاش سنوات طفولته الأولى وسط ظروف قاسية شهدتها الحرب العالمية الأولى تحت الحكم العثماني. تظهر حلقة برنامج “على النوتة” التي بثت في 31 مارس/آذار 2026، أن الشرارة الأولى لموهبته الموسيقية انبعثت من والدته، التي كانت تتميز بصوتها العذب في غناء “الشروقيات” الحزينة، بالإضافة إلى أسطوانات الشيخ سلامة حجازي والشيخ سيد درويش التي جلبها والده من دمشق.
نقطة الانطلاق للأغنية اللبنانية
تشكلت ملامح شخصية ناصيف الموسيقية في سن مبكرة، حيث تعلم العزف على آلتي العود والمجوز دون أي تدريب رسمي. لاحقاً، التحق عام 1936 بالمعهد الموسيقي في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث تلقى تعليمه على أيدي مدرسين روس. هناك، أتقن آلات البيانو والتشيلو، مما أكسبه فهماً نظرياً وخبرة في التوزيع الموسيقي لم تكن شائعة بين الملحنين الشعبيين في ذلك الوقت.
أكد ناصيف على الارتباط الوثيق بين الفلكلور والأرض، مستلهماً من تجواله الموسمي مع عائلته بين مشغرة وبيروت. فمشاهد البيادر، وعمل الحصادين، والدبكات الليلية تحت ضوء القمر، تسربت إلى وجدانه لتتحول لاحقاً إلى ألحان خالدة. هذه البيئة الطبيعية الغنية ألهمت العديد من أعماله الموسيقية، وأعطتها طابعاً أصيلاً.
في عام 1953، التقى ناصيف بالمنتج الفلسطيني صبري الشريف في إذاعة الشرق الأدنى. هناك، وجد الفرصة المثالية لتحقيق رؤيته الفنية عبر مشروع جمع الفلكلور الشامي، وطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا لا تكون الموسيقى الموروثة هي المادة الأساسية للأغنية اللبنانية الحديثة؟
تجسدت هذه الرؤية في عام 1955 مع تأسيس “عصبة الخمسة”، التي ضمت إلى جانب زكي ناصيف، الأخوين عاصي ومنصور رحباني، وتوفيق الباشا، وتوفيق سكر. شكلت هذه العصبة نقطة انطلاق حقيقية لمرحلة جديدة للأغنية اللبنانية، حيث سعت لدمج التراث الشعبي مع الأساليب الموسيقية المعاصرة.
جاء مهرجان بعلبك عام 1957 ليمنح ناصيف منصة استثنائية لعرض روائعه. هناك، نجح في نقل مشاهد من قريته مشغرة إلى المسرح من خلال عمله “عرس القرية”. ومن أبرز إبداعاته في هذه الفترة، ابتكاره لدبكة “يا لا لا عيني”، التي استلهم إيقاعها المربع من حركة عصر العنب لصناعة دبس العنب، مما أضاف بعداً جديداً للحركة الإيقاعية اللبنانية.
فيما يتعلق بتطوير الدبكة، أوضح ناصيف أن رقصة “الدلعونا” لم تكن مجرد تعبير عاطفي، بل تحمل جذوراً سريانية من عبارة “ديل عونا” التي تعني “هيا إلى العون”. وقد طور ناصيف هذه الرقصة لتصبح دبكة مسدسة، تتكون من ست خطوات متناسقة.
كما استقى ناصيف إلهامه من الألحان السريانية والبيزنطية، بالإضافة إلى تجويد القرآن الكريم ومخارج الحروف. حافظ على الهوية الموسيقية الأصيلة، بينما جددها من الداخل، موجهاً الموسيقى الغربية لخدمة الروح الشرقية.
كان ناصيف يتحاشى استخدام البيانو كلما وجد في اللحن “رباع صوت”، حفاظاً على نقاء المقام الشرقي من أي تشويه. هذا التوازن الدقيق بين الأصالة والحداثة أكسبه لقب “أبو الفلكلور”، وهو لقب استحقه عن جدارة.
تعاون ناصيف مع كبار الأصوات اللبنانية، بما في ذلك صباح، وديع الصافي، وسميرة توفيق. وقدم لفيروز أسطوانة تضم تسع أغنيات تحمل اسمه. كانت أغنية “راجع يتعمر لبنان”، التي كتبها ولحنها خلال قصف الحرب، الأقرب إلى قلبه. كانت هذه الأغنية، التي غالباً ما كانت تثير دموعه، تجسيداً للصمود والإيمان في وجه الدمار.
رحل زكي ناصيف في الحادي عشر من مارس/آذار 2004 عن عمر ناهز 88 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فنياً ضخماً. تتولى الجامعة الأمريكية في بيروت مسؤولية حفظ ونشر هذا الأرشيف الثمين. وقد تحول منزله في مشغرة إلى متحف ومركز ثقافي، شاهداً على إرثه، وهو تذكير دائم بكلماته: “أعود إليكِ يا قريتي.. لألثم في ظلالكِ الهانئة.. تراب الجدود”.
بعد الاحتفاء بمسيرة زكي ناصيف، يبقى السؤال حول كيفية ضمان استمرارية إرثه الموسيقي للأجيال القادمة، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ المشروعات الثقافية المخطط لها في منزله بمشغرة. ستكون المراقبة الدقيقة لعملية حفظ ونشر أعماله، بالإضافة إلى تفعيل المركز الثقافي، مؤشرات حاسمة لنجاح هذه الجهود.
