فنون

كيف شرّحت هوليود صراع أجنحة الحكم في الولايات المتحدة؟

في قلب واشنطن، تتصاعد حدة التوترات بين أركان الدولة الأمريكية، محولةً الديمقراطية إلى مسرح لصراع “وجودي” بين السلطات. لم يعد المشهد السياسي مجرد تنافس اعتيادي، بل أصبح احتكاكاً مزمناً حيث يرى الرئيس في القضاء عقبة، والكونغرس في الاستخبارات كياناً يفلت من الرقابة، فيما تخوض السلطة التنفيذية معارك يومية مع الصحافة حول شرعية المعلومات.

هذه الصراعات ليست ظاهرة حديثة، بل لها جذور تمتد إلى ما وراء فضيحة “ووترغيت” في السبعينيات، والتي كشفت عن إمكانية تحول البيت الأبيض إلى بؤرة للتآمر. منذ ذلك الحين، بدأت المؤسسات الأمريكية تختبر مرونتها أمام رياح المساءلة، مما أثار تساؤلات حول آليات مراقبة السلطة وحراسة حراس الدولة.

السينما والدراما: مرآة للصراع السياسي الأمريكي

تجاوزت السينما والدراما الأمريكية دور المشاهد لتصبح “مؤرخاً موازياً” و”محليلاً نفسياً” للبنية السياسية، مقدمةً تشريحاً درامياً لآليات انهيار الثقة. رصدت الشاشة الكبيرة والصغيرة كيف يتجلى الصراع بين السلطات، وكيف تؤثر هذه التوترات على الثقة العامة.

فيلم “كل رجال الرئيس”: كشف المستور وفضح الفساد

يُعتبر فيلم “كل رجال الرئيس” (All the President’s Men) عام 1976، علامة فارقة في سينما التحقيق السياسي، حيث وثق تحقيق صحيفة “واشنطن بوست” في فضيحة “ووترغيت”. أبرز الفيلم الصدام بين محاولة الرئاسة استغلال أجهزة الأمن والصحافة والقضاء كقوى رقابية، ورسخت مشاهده صورة “المخبر السري” كصمام أمان ضد تغول السلطة التنفيذية.

فيلم “جيه إف كيه”: إعادة فتح التاريخ وتحدي الروايات الرسمية

في عام 1991، أحدث فيلم “جيه إف كيه” (JFK) لأوليفر ستون زلزالاً سياسياً بإعادة فتح ملف اغتيال الرئيس جون كينيدي. تبنى الفيلم فرضية “الانقلاب الداخلي” المدبر من قبل جهات في الاستخبارات والجيش، مما أدى لاحقاً إلى ضغط لتعديل القوانين المتعلقة بمراجعة سجلات الاغتيال.

فيلم “عدو الدولة”: نبوءة عن التجسس والمراقبة الشاملة

قدم فيلم “عدو الدولة” (Enemy of the State) عام 1998، رؤية استباقية حول المواجهة بين المواطن وجهاز أمني بامتلاك تكنولوجيا مراقبة شاملة. حذر الفيلم من تضخم صلاحيات الأجهزة الأمنية وتحولها إلى سلطة مطلقة تعمل خارج رقابة الكونغرس.

فيلم “ذا بوست”: معركة “أوراق البنتاغون” ونصر الصحافة

استدعى فيلم “ذا بوست” (The Post) عام 2017، معركة “أوراق البنتاغون” التاريخية، مجسداً الصدام بين ملكية الصحيفة وإدارة الرئيس نيكسون. ناقش الفيلم حق الجمهور في المعرفة مقابل ذريعة “الأمن القومي”، ليصبح رسالة ضد الهجمات على وسائل الإعلام.

فيلم “التقرير”: تشريح قضية التعذيب وصراع الاستخبارات

قدم فيلم “التقرير” (The Report) عام 2019، تشريحاً بارداً لصدام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ مع وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) حول ملف التعذيب. سلط الضوء على شرعية الأساليب الاستخباراتية في ظل الدستور وأهمية السلطة التشريعية في كبح جماح الوكالات.

مسلسل “بيت من ورق”: السياسة كلعبة نفوذ وحشية

أحدث مسلسل “بيت من ورق” (House of Cards) ثورة في فهم الجمهور للصراع التنفيذي-التشريعي، مروياً قصة تحويل السياسة إلى لعبة نفوذ وحشية. كشف العمل عن تلاعب السلطة التنفيذية بالكونغرس والقانون لتحقيق طموحات شخصية.

مسلسل “الجناح الغربي”: رؤية مثالية للصراع الصحي

قدم مسلسل “الجناح الغربي” (The West Wing) رؤية مثالية للصراع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، عاكساً “الاحتكاك الصحي” بين أجنحة الدولة. مثل مرجعاً درامياً عن العمل بكفاءة رغم الاختلافات.

مسلسل “الوطن”: توتر العلاقة بين البيت الأبيض والمخابرات

غاص مسلسل “الوطن” (Homeland) في توتر العلاقة بين البيت الأبيض والمخابرات والجيش، حيث تُبنى السياسة الخارجية على معلومات قد تكون مغلوطة أو مسيسة. طرح المسلسل سؤال الثقة بين الأجهزة السيادية.

مسلسل “فضيحة”: صراع مراكز القوى خارج الأطر الرسمية

قدم مسلسل “فضيحة” (Scandal) رؤية لصراع مراكز القوى التي تعمل خارج الأطر الرسمية، حيث تدير “أوليفيا بوب” الأزمات وتخفي الفضائح لحماية هيبة الرئاسة. سلط الضوء على تغلغل مجموعات الضغط والمستشارين غير الرسميين.

مسلسل “المعركة الجيدة”: صدام المحاكم مع السلطة التنفيذية

برز مسلسل “المعركة الجيدة” (The Good Fight) كأكثر الأعمال التصاقاً بالواقع، رصد صدام المحاكم الفيدرالية مع السلطة التنفيذية. تحولت الشاشة إلى ساحة احتجاج قانوني تعكس انقسام الشارع.

لم تكن هذه الأعمال مجرد انعكاس للواقع، بل تحولت إلى “محقق استقصائي” بصري يشرح دوافع الصراعات ويكشف طبيعة أطرافها. نجحت السينما والدراما في نزع القناع عن “المنطق” الذي تدار به الحروب المؤسساتية، محولةً الصراع إلى “تشريح أخلاقي” لكيانات تداخلت فيها المصالح.

أوضحت الرؤية السينمائية أن الدولة قد تكون “لاعباً براغماتياً” يضبط حدوده بناءً على موازين القوى، بينما تظهر الأجهزة الأمنية والقضائية كأدوات. تكمن قيمة هذه الأعمال في وضع المشاهد أمام أزمة هوية تعيشها الدولة، حيث لم يعد الصراع بين “خير وشر” بل بين مؤسسات تأكلت الثقة بينها.

ما هو التالي؟ تستمر التوترات بين المؤسسات الأمريكية، ويبقى السؤال حول قدرة هذه المؤسسات على استعادة التوازن والحفاظ على الديمقراطية. تتجه الأنظار نحو الانتخابات المقبلة والقرارات القضائية المرتقبة، حيث قد تتضح معالم جديدة للصراع الدستوري.