فنون

“مكتبة غنائية متحركة”.. رحيل فاطمة سرحان حارسة الموال والقصص الشعبية في مصر

رحلت الفنانة المصرية فاطمة سرحان، إحدى أبرز نجمات الغناء الشعبي، عن 98 عامًا، تاركةً وراءها إرثًا فنيًا ثريًا في مجال الفنون الغنائية الشعبية. نعتها مؤسسات ثقافية وباحثون في التراث بوصفها “كنزًا بشريًا” و”مكتبة موسيقية شعبية متحركة”، مؤكدين على مكانتها كواحدة من أبرز “ملكات الغناء البلدي” في مصر.

تميزت الراحلة في أداء مختلف ألوان الغناء الشعبي، بدءًا من الغناء الصوفي والمدائح النبوية وصولًا إلى المواويل والقصص الغنائي والأغنية العاطفية. اعتبرها المهتمون بالمأثورات الشعبية من الحافظات للموروث الأدائي الشفاهي، ومثلت مرجعًا حيًا للتراث الثقافي غير المادي في مجال الغناء الشعبي والموال المصري.

من بسيون إلى “فرقة الفلاحين”: مسيرة نجمة الأغنية الشعبية

ولدت فاطمة سرحان عام 1928 في مدينة بسيون بمحافظة الغربية، وهي منطقة معروفة بإسهاماتها في الفن الشعبي المصري. بدأت مسيرتها الفنية بعد زواجها من الفنان عطية إسماعيل، حيث انضمت إلى فرق الموالد والأفراح الشعبية، قبل أن تلفت الأنظار بصوتها ومخزونها الغنائي الواسع.

تحولت سرحان من مطربة مناسبات إلى صوت أساسي في تجربة “فرقة الفلاحين”. هذه الفرقة، التي أسسها الفنان والكاتب زكريا الحجاوي، هدفت إلى إعادة تقديم الفنون الشعبية المصرية في قالب فني منظم يجمع بين المسرح والغناء.

صوت الإذاعة والموّال والقصص الغنائية: إرث فاطمة سرحان

صعد نجم فاطمة سرحان بشكل ملحوظ من خلال الأعمال الإذاعية التي أنتجها زكريا الحجاوي، خاصةً مسلسل “خيال المآتة” الذي قدمها للجمهور على نطاق واسع. كما شاركت في ملحمة “أيوب وناعسة”، مستلهمةً تقاليد القصص الشعبي، إلى جانب الفنانة خضرة محمد خضر.

شمل رصيدها الفني القصص الغنائية ذات الطابع الديني والشعبي، مثل حكايات “هاجر والخليل”، بالإضافة إلى المواويل والأغنيات العاطفية. أتقنت الراحلة فن الموال المصري بلهجاته المتنوعة، مما جعلها مرجعًا للباحثين في الفولكلور والموال، ومثبتًا حيًا لصيغ أدائية متوارثة مرتبطة بالذاكرة الشعبية.

من الليالي الرمضانية إلى السينما والتلفزيون: بصمة فاطمة سرحان الفنية

ارتبط اسم فاطمة سرحان بـ”الليالي الملاح في الحسين” خلال شهر رمضان، حيث شاركت في سرادقات غنائية بارزة في حي الحسين بالقاهرة القديمة. هذه المشاركات الشعبية جذبت جمهورًا واسعًا للاستمتاع بأصوات المداحين والمواويل والقصص الغنائية.

على الصعيد السينمائي، شاركت الراحلة بالغناء في عدة أفلام منها “أنا الدكتور” (1968)، و”حد السيف”، و”الجوازة دي مش لازم تتم”، و”احذروا هذه المرأة”. كما امتد حضورها إلى الدراما التلفزيونية، أبرزها مسلسل “أفواه وأرانب” (1978) الذي غنت فيه أغنية من ألحان بليغ حمدي. وكان آخر ظهور لها في مسلسل “أفراح القبة” عام 2016.

عبر صوتها الشعبي الأصيل، شاركت فاطمة سرحان في أعمال فنية معاصرة، بما في ذلك أغنية “وحدانية” للمطربة أنغام، مضيفةً إليها بعدًا فولكلوريًا. كما شاركت في استعراضات شعبية مثل “رقصة الحجالة”.

تكريمات ووداع مؤثر لنجمة الأغنية الشعبية

حظيت فاطمة سرحان بتكريمات عديدة داخل مصر وخارجها، منها تقدير الهيئة العامة لقصور الثقافة والمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية. كما نالت عام 2018 جائزة الشارقة الدولية للتراث الشعبي تقديرًا لدورها الرائد في حفظ المأثور الغنائي الشعبي.

برحيل فاطمة سرحان، تفقد مصر صوتًا فريدًا ربط بين الأصالة والتجديد في عالم الأغنية الشعبية. يمثل غيابها خسارة كبيرة للساحة الفنية وللجهود المبذولة في حفظ المعرفة التراثية ونقلها للأجيال القادمة.