اقتصاد

هشام عز العرب: البنوك درع رئيسية فى قدرة الدولة على الصمود فى مواجهة التحديات



نشر في:
السبت 17 يناير 2026 – 5:27 م
| آخر تحديث:
السبت 17 يناير 2026 – 5:27 م

• تحصين الأنظمة ضد الصدمات ليس استراتيجية دفاعية بل استثمارا فى المستقبل
• إفريقيا والمنطقة تحتاج إلى نمو متين وشامل ومدعوم بالتكنولوجيا وقادر على الصمود أمام تقلبات العصر

قال هشام عز العرب، رئيس البنك التجارى الدولى، إن تحصين الأنظمة المصرفية ضد الصدمات، ومتانة البنوك باتت عنصرًا حاسمًا فى استقرار الاقتصادات، فى ظل تصاعد التقلبات العالمية وتسارع التحول الرقمى وتنامى دور التمويل المستدام.

وأضاف الرئيس التنفيذى لأكبر بنك خاص فى مصر عبر مقال تحليليا للمصرفى البارز نشره موقع المنتدى الاقتصادى العالمى (World Economic Forum) إنه فى عالم اليوم، أصبحت التقلبات العالمية هى الثابت الجديد. فالتوترات الجيوسياسية، وتغير التحالفات، واضطرابات سلاسل الإمداد، وعدم الاستقرار المالى، تمارس ضغوطًا مستمرة على اقتصادات بمختلف أحجامها. وفى الوقت نفسه، تسهم التطورات التكنولوجية فى تعزيز الإنتاجية، وإعادة تشكيل توقعات العملاء، وإعادة تعريف كيفية خلق القيمة.

وفى ظل هذا المشهد الذى يجمع بين عدم اليقين والتحول، تبرز حقيقة واحدة: مرونة أى دولة لا تنفصل عن مرونة نظامها المصرفى. فالمرونة اليوم تتطلب بنية جديدة، تتمثل فى القدرة على تحصين القطاع المالى ضد الصدمات.

لا يقتصر دور البنوك حسب عز العرب على كونها وسطاء ماليين فحسب، بل تمثل الجهاز الدورى لأى اقتصاد ودرعًا ضد التحديات وتدعم النمو، وتمكّن الاستثمار، وتغذى القطاع الخاص، وتوفر بشكل متزايد بنية تحتية رقمية تربط المستهلكين والشركات بالنظام المالى الأوسع.

عندما تتعثر البنوك، تتزعزع الاقتصادات. أما عندما تتكيف البنوك وتبتكر، فإنها تصبح ركائز للاستقرار الوطنى. ومن هنا، فإن تحصين النظام المصرفى ضد الصدمات ليس خيارًا حصيفًا فقط بل ضرورة حتمية.

التكنولوجيا والتمويل المستدام

ووفقًا لعز العرب جلبت الرقمنة السرعة والشفافية ومكاسب هائلة فى الكفاءة إلى الخدمات المالية. فقد أسهمت القدرة على معالجة المدفوعات فى الوقت الفعلى، كما توفير إجراءات انضمام سلسة، وأتمتة إدارة المخاطر، وتطبيق حلول قائمة على البيانات، فى تحسين تجربة العملاء وتعزيز المرونة التشغيلية بشكل كبير، ومع ذلك، فإن التحول التكنولوجى وحده لا يكفى.

ولحماية الاقتصادات فعليًا من الصدمات الخارجية، يجب دمج التحول الرقمى مع التمويل المستدام. ويعنى ذلك إدماج معايير الاستدامة فى كل منتج رقمى، وكل شراكة، وكل معاملة، وكل قرار ابتكارى.

يضمن التمويل المستدام أن يدعم توجيه رأس المال النمو الشامل، والمسؤولية البيئية، والتقدم الاجتماعى. وعند اقترانه بالرقمنة، فإنه يخلق نموذجًا تتحرك فيه البنوك بسرعة أكبر، ولكن فى الاتجاه الصحيح أيضًا. كما يسهم هذا التكامل فى تعزيز الميزانيات العمومية، وتحسين ملفات المخاطر، وتوسيع الشمول المالى، وخلق قيمة اقتصادية طويلة الأجل.

تحصين البنوك ضد الصدمات يحتاج أربعة عناصر

ورغم قوة الطرح على المستوى الكلى، فإن الحاجة إلى التحصين ضد الصدمات لا تقل إلحاحًا على المستوى المؤسسى. فبالنسبة للبنوك العاملة فى الأسواق الناشئة، حيث تشكل التقلبات جزءًا من البيئة المحيطة، يجب تصميم المرونة بشكل متعمد داخل نموذج التشغيل.ويتطلب ذلك أربعة عناصر أساسية:

المرونة الاستراتيجية: القدرة على الاستجابة للاضطرابات الاقتصادية فى الوقت الفعلى، وإعادة تخصيص الموارد عند الحاجة، وتكييف استراتيجيات الائتمان والسيولة ورأس المال.

التوسع التكنولوجي: الاستفادة من القدرات الرقمية لتنويع مصادر الدخل، وخفض تكلفة خدمة العملاء، وبناء أدوات قوية لإدارة المخاطر.

حوكمة قائمة على الاستدامة: ضمان أن تأخذ عملية صنع القرار فى الاعتبار الأثر المجتمعى طويل الأجل، والمتطلبات التنظيمية، وثقة أصحاب المصلحة.

تنمية رأس المال البشري: تمكين الفرق بالمهارات والثقافة وأنماط القيادة التى تعزز التنفيذ والابتكار والمرونة.

إن البنك الذى يتقن هذه الأبعاد لا يكتفى فقط بالنجاة من الصدمات، بل ينمو من خلالها.

تجربة البنك التجارى الدولى

فى مصر وفى مختلف أنحاء المنطقة، يُشعَر بالحاجة إلى المرونة بعمق. وفى البنك التجارى الدولى (CIB)، عملنا على بناء هذه القدرة على مدى عقود. واليوم، ومع تأسيس بنكنا الرقمى، ندمج الاستدامة فى جميع منتجاتنا وعملياتنا وأطر المخاطر وشراكاتنا. وهدفنا واضح: خلق قيمة لعملائنا، مع تعزيز الاقتصاد المصرى فى الوقت نفسه.

وقد شكّل هذا النهج الراسخ الحمض النووى للبنك. ففى عامى 2003 و2004، كنت جزءًا من فريق صغير عمل عن كثب مع البنك المركزى المصرى لبناء سوق فعّالة وسائلة قادرة على امتصاص الصدمات النظامية. كما أثمر هذا العمل؛ فعندما ضربت الأزمة المالية العالمية فى عام 2008، ظل القطاع المصرفى المصرى مستقرًا. وفى السنوات اللاحقة، تجاوز القطاع ثورتين، وتعديلات متعددة فى أسعار الصرف، وجائحة كوفيد-19، وسلسلة من الصدمات الخارجية.

لم تكن هذه المرونة محض صدفة، بل جرى تصميمها من خلال الانضباط، واستشراف المستقبل، والحوكمة القوية.

التوسع الرقمى والنمو المرتكز على العميل

ترتكز قصة تحول البنك التجارى الدولى على فهم ديناميكيات السوق المتغيرة وتوقع احتياجات العملاء. وقد ركزت استراتيجيتنا باستمرار على تسخير قوة التكنولوجيا لتوسيع النشاط التجارى، وتعميق علاقات العملاء، وتعزيز الأداء التشغيلى.

وقد مكننا ذلك من تحقيق نمو مرن، والتفوق على نظرائنا فى الأسواق الناشئة، وبناء سمعة قائمة على الموثوقية والابتكار. وفى الوقت نفسه، يضمن التزامنا بالتمويل المسئول أن يعود نجاحنا بالنفع على المجتمعات التى نخدمها. ومع توسعنا فى إفريقيا جنوب الصحراء، نحمل هذه المسئولية عبر الحدود. فلم نعد مجرد مصرفيين وطنيين بل مواطنين إقليميين وعالميين نُسهم فى الاستقرار المالى والتنمية المستدامة.

لماذا يحدد التمويل المستدام ملامح المستقبل؟

كما يُعد التمويل المستدام حجر الزاوية فى تحقيق المرونة على المدى الطويل. فهو يحدد ما إذا كان الاقتصاد قادرًا على تحمل الصدمة التالية، سواء كانت جيوسياسية أو اقتصادية أو صحية أو بيئية. ومن خلال توجيه رأس المال نحو استثمارات مسؤولة، يسهم التمويل المستدام فى بناء مجتمعات أقوى، وتعزيز الإنتاجية، وتحسين القدرة التنافسية الوطنية.

وعند دمجه مع الرقمنة، يتحول التمويل المستدام إلى درع قوية. قد تأتى الصدمة، لكن يتم امتصاص أثرها، والتخفيف منه، وفى نهاية المطاف تحويله إلى فرصة.

وهذا هو ما تحتاجه إفريقيا والمنطقة أكثر من أى وقت مضى: نمو متين، وشامل، ومدعوم بالتكنولوجيا، قادر على الصمود أمام تقلبات عصرنا. إن تحصين الأنظمة ضد الصدمات ليس استراتيجية دفاعية بل استثمارًا فى المستقبل؛ والتزام ببناء أنظمة ومؤسسات واقتصادات لا تكتفى بالنجاة من الصدمات، بل تخرج منها أقوى.