الصحة والجمال

اختبار دم واحد يكشف عشرات السرطانات مبكرا

تشهد تقنيات الكشف المبكر عن السرطان تحولاً جذرياً مع ظهور اختبارات الدم متعددة السرطانات (MCED)، التي تعتمد على تحليل الحمض النووي الحر في الدم والذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأورام قبل ظهور الأعراض. أعلنت شركة غرايل بيو (Grail Bio) في فبراير 2026 نتائج سريرية جديدة لاختبار غاليري (Galleri)، أظهرت قدرته على الكشف عن أكثر من 50 نوعاً من السرطان من خلال خزعة الدم السائلة، مع تحسين دقة تحديد موقع الورم.

يعتمد الاختبار على تحليل أجزاء الحمض النووي المتحررة من الخلايا السرطانية في مجرى الدم، باستخدام خوارزميات تعلم آلي متقدمة. يسمح هذا النهج باكتشاف السرطان في مراحله المبكرة، حيث تكون فرص العلاج والنجاة أعلى بكثير.

ثورة تشخيصية

وصفت مراجعة علمية نشرت في مجلة “ذا لانسيت أونكولوجي” (The Lancet Oncology) اختبارات الكشف المبكر متعددة السرطانات بأنها “طفرة محتملة في الصحة العامة”. إلا أن التقرير أشار إلى أن هذه التقنيات لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالدقة السريرية، والتكلفة، وتأثيرها على برامج الفحص التقليدية.

وأكد الباحثون أن دمج هذه الاختبارات في برامج الفحص الوطنية قد يساعد في اكتشاف أنواع السرطان التي لا تخضع حالياً للفحص الروتيني، مثل سرطان البنكرياس والمبيض والكبد. لكن ذلك يتطلب تقييمات واسعة للتكلفة والنتائج طويلة المدى.

من جهتها، أعلنت هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا (NHS England) عن تحديثات بشأن برامج إدخال اختبار الدم متعدد السرطانات، ضمن تجربة وطنية تستهدف مئات الآلاف من المشاركين. تسعى بريطانيا إلى تقييم قدرة هذه الاختبارات على الكشف المبكر وتقليل الوفيات الناتجة عن السرطان.

وتشير أبحاث منشورة على “ساينس دايركت” (ScienceDirect) إلى أن التقدم في تحليل الحمض النووي الحر (cfDNA) والذكاء الاصطناعي أحدث ثورة في تشخيص الأمراض، خاصة السرطان. تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي اكتشاف أنماط دقيقة قد لا يلاحظها البشر، مما يحسن التنبؤ بمواقع الأورام واستجابة المرضى للعلاج.

يرى الباحثون أن دمج الذكاء الاصطناعي مع الطب الجزيئي سيحول التشخيص من الاكتشاف المتأخر إلى الوقاية المبكرة، وهو ما قد يقلل بشكل كبير من تكاليف العلاج ونسب الوفيات.

فرص وتحديات

ورغم التفاؤل، يحذر خبراء الصحة العامة من تحديات تتعلق بالإيجابيات الكاذبة، والقلق النفسي لدى المرضى، وتكاليف الفحص على نطاق واسع. كما أن هناك حاجة لتطوير بروتوكولات واضحة للتعامل مع النتائج غير المؤكدة.

يؤكد المتخصصون أن هذه الاختبارات لا يمكن أن تحل محل الفحوصات التقليدية مثل تصوير الثدي أو تنظير القولون في الوقت الحالي، بل تمثل مكملاً لها في المستقبل القريب.

نحو طب استباقي

يرى متخصصون أن اختبارات الكشف المبكر متعددة السرطانات تمثل تحولاً من “طب يعالج المرض” إلى “طب يتنبأ به قبل ظهوره”. قد يغير هذا التحول شكل أنظمة الرعاية الصحية خلال العقد المقبل، خاصة مع انخفاض تكلفة التسلسل الجيني وتطور الذكاء الاصطناعي.

تستمر الأبحاث في التركيز على تحسين دقة هذه الاختبارات وتقليل معدلات الإيجابيات الكاذبة. يبقى التحدي الأكبر هو جعل هذه التقنيات في متناول الجميع، بما يضمن استفادة أكبر شريحة من السكان من هذه التطورات.