“بيكسونيمانیا”.. كيف وقع العالم في فخ “المرض المزيف”؟

كشفت تجربة علمية مبتكرة أجرتها باحثة سويدية عن ثغرات خطيرة في مصداقية البحث العلمي، خاصة مع تزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي. قامت الباحثة، ألميرا عثمانوفيتش تونستروم، باختلاق مرض وهمي يدعى “بيكسونيمانیا” (Bixonimania) لاختبار مدى قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على تضخيم المعلومات المضللة، لتكتشف أن النتائج تجاوزت توقعاتها لتكشف عن أخطاء منهجية أعمق تقوض موثوقية الأبحاث العلمية.
حاولت تونستروم، عبر اختراعها لمرض “بيكسونيمانیا” الذي يتميز بأعراض مثل ميل جفون العين للون الوردي الخفيف وحكة مرتبطة بالتعرض للشاشات، اختبار مدى تقبل أنظمة الذكاء الاصطناعي للمعلومات المغلوطة وتحويلها إلى نصائح صحية. تم نشر تفاصيل هذه التجربة التي أجريت في مارس وإبريل ومايو 2024، لتسلط الضوء على القضايا المتعلقة بالمعلومات المضللة في المجال العلمي.
المرض المزيف وسيناريو التصديق العلمي
لم تكتفِ الباحثة باختلاق المرض، بل ألْبَسَتْهُ ثوباً علمياً كاملاً. نُشرت أولى الكتابات عنه في مارس 2024 على منصة “ميديوم”، تبعتها دراستان أوليتان حول الحالة على الشبكة الأكاديمية “ساي بروفايلز” في أبريل ومايو من نفس العام. لمؤلف رئيسي وهمي، “لازليف إيزغوبليينوفيتش”، تم إنشاؤه بالذكاء الاصطناعي، نشرت هذه الدراسات، حيث حرصت تونستروم على تضمين إشارات خفية ودلائل تشير إلى زيف المحتوى، بدءاً من الاسم الساخر “بيكسونيمانیا”، مروراً بذكر جامعة خيالية، وشكر لأكاديمية من مسلسل خيال علمي، وصولاً إلى عبارات صريحة مثل: “هذه الورقة بأكملها مختلقة”.
نتائج فاقت التوقعات: الذكاء الاصطناعي والأبحاث الحقيقية
رغم الإشارات الواضحة إلى طبيعة المرض المزيفة، بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في ترشيح “بيكسونيمانیا” كحالة نادرة ومثيرة، وربطتها بالتعرض للشاشات، بل نصحت المستخدمين باستشارة طبيب العيون. المفاجأة الأدهى تمثلت في أن هذا المرض الوهمي وجد طريقه إلى دراسة علمية حقيقية نشرت في مجلة “كيوريوس”، قبل أن تُسحب لاحقاً بعد اكتشاف زيف الحالة. أثارت هذه التجربة جدلاً واسعاً، حيث يراها البعض أداة قيمة لفهم انتشار المعلومات المضللة، بينما يراها آخرون خطيرة لـ “تسميم” أنظمة الذكاء الاصطناعي بمحتوى مزيف، خاصة في المجال الطبي.
خطيئة علمية تغفل عنها النقاشات
في حين تركز الجدل على أهداف التجربة، يرى خبراء، مثل الدكتورة نجوى البدري، مديرة مركز التميز للخلايا الجذعية والطب التجديدي في مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، أن الخطر الأكبر يكمن في تعامل بعض الباحثين مع المعلومات المنشورة كـ “نص مقدس” دون تمحيص. تستقي أنظمة الذكاء الاصطناعي معلوماتها من الإنترنت، لذا لا غرابة في تداول معلومات مرض وهمي. لكن الأخطر هو قيام باحث علمي، يعتمد على هذه الأنظمة، بتداول معلومات غير موثقة، حتى لو كانت من منشور علمي لم يخضع بعد لمراجعة الأقران، وهو ما يعادله الاستشهاد بمعلومات من صفحة فيسبوك.
يشير هذا السلوك إلى تباين كبير مع قواعد البحث العلمي، التي تفرض تقييم قيمة المصادر العلمية وموثوقية الباحثين، خاصة عند تناول قضايا جديدة. كما يجب الانتظار للتأكد من توثيق الأعراض في مصادر متعددة. الاستشهاد ببحث “ما قبل الطباعة” يمثل مشكلة جوهرية، حيث لا يزال في مرحلة أولية ولم يخضع للتدقيق والتحقق اللازمين.
يُظهر هذا الحادث، الذي وقع في 28 أبريل 2026، أهمية الوعي النقدي المتزايد عند التعامل مع المعلومات العلمية، سواء عبر أدوات الذكاء الاصطناعي أو المصادر البحثية التقليدية. يبقى التحدي القائم هو كيفية ضمان عدم انتشار المعلومات المضللة عبر القنوات العلمية، والحفاظ على أعلى معايير الدقة والمصداقية في البحث العلمي.
