السنة الجديدة بين الآمال والمخاوف .. قراءة سيكولوجية في “بدايات الزمن”

مع نهاية سنة وبداية أخرى، يتجدد النقاش حول الكيفية التي يستقبل بها الأفراد هذا التحول الزمني؛ ليس فقط باعتباره انتقالا في التقويم الميلادي، بل كحدث نفسي يحمل دلالات متعددة، تتراوح بين الأمل والترقب والقلق، حيث تتحول هذه اللحظة إلى مناسبة يعيد فيها كثيرون النظر في علاقتهم بالزمن، وفي المعاني التي يمنحونها لما مضى وما هو آت.
وفي مقابل هذا التفاوت في الإحساس، يبرز توجه متزايد نحو البحث عن طرق تساعد على جعل لحظة الوداع والاستقبال أكثر إيجابية وهدوءا؛ من خلال التعامل مع نهاية السنة باعتبارها محطة للتأمل الهادئ لا للمحاسبة القاسية، والنظر إلى البداية الجديدة كفرصة رمزية لإعادة ترتيب الأولويات واستعادة التوازن الداخلي.
تمثلات السنة الجديدة
محمد شفيق الوزاني، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال: “عند استقبال السنة الجديدة، لا ترتبط مشاعر الإنسان بالزمن فقط؛ بل بشخصيته وتجارب حياته وطريقة تفسيره للأحداث، فالجانب الإدراكي والتمثلات الاجتماعية تلعب دورا كبيرا في توجهه لمستقبله وما يريد تغييره في حياته، وكذلك في تخطيطه للسنة المقبلة”.
وأوضح الوزاني، في تصريح لهسبريس، أن “مشاعر الأفراد تختلف بفعل عوامل معرفية ونفسية؛ فمع نهاية السنة يميل الشخص إلى تقييم ما تحقق وما لم يتحقق، وهذا التقييم قد يولد مشاعر الرضا والتفاؤل أو شعورا بالإحباط والقلق إذا شعر بعدم تحقيق أهدافه السابقة”.
وأضاف الأخصائي النفسي الإكلينيكي أن “سمات الشخصية تلعب دورا أساسيا في تكوين المشاعر، فالشخص المتفائل يرى السنة الجديدة فرصة للتغيير والتطور، بينما الشخص القلق يركز على المخاطر ويخشى أن يكون المستقبل سلبيا؛ ما يولد لديه أفكارا سوداوية”.
وأشار محمد شفيق الوزاني إلى أن “العوامل الحياتية والاجتماعية، مثل الوضع المادي والأسري والاجتماعي، تؤثر على توقعات الفرد؛ فالأسر التي تضع توقعات عالية قد تعزز مشاعر الأمل لدى البعض، لكنها قد تولد ضغطا نفسيا وإحباطا لدى آخرين، خاصة عند المقارنة مع إنجازات الآخرين أو معايير المجتمع”.
سيكولوجية الاستقبال
ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إنه “مع نهاية كل سنة وبداية أخرى، لا تمر هذه اللحظة على الجميع بالإحساس نفسه؛ فهناك من يستقبل العام الجديد بتفاؤل وأمل، وهناك من يعيشه بقلق أو خوف أو ترقب ثقيل”.
وأوضحت الفضل، في تصريح لهسبريس، أن “هذا الاختلاف في المشاعر ليس ضعفا ولا تناقضا؛ بل تعبير طبيعي عن تنوع التجارب النفسية والإنسانية”.
وأبرزت الأخصائية ذاتها أن “السنة المنقضية تترك أثرها العميق في الذاكرة الوجدانية للفرد”، لافتة إلى أن “النجاحات، مهما كانت بسيطة، تفتح الباب للأمل، بينما الخسارات والتجارب المؤلمة قد تجعل فكرة البداية الجديدة مثقلة بالتحفظ والخوف”.
وفي هذا الصدد، أوردات المتحدثة عينها أن “العقل البشري يميل بطبيعته إلى إسقاط الماضي على المستقبل؛ فيحول التجربة السابقة إلى مرجع يتنبأ به بما هو آتٍ، خاصة عندما تكون الجراح لم تلتئم بعد”.
وإلى جانب التجارب، أكدت أن “نمط التفكير يلعب دورا أساسيا في تشكيل هذه المشاعر، إذ إن الشخص الذي يمتلك تفكيرا مرنا يرى في تغير الزمن فرصة للمراجعة والتجدد؛ بينما من يغلب عليه التفكير التشاؤمي أو القلق يرى في السنة الجديدة امتدادا للمجهول والتهديد”، مسجلة أن “هذه الاختلافات لا تولد مع الفرد، بل تتكون عبر مسار حياته وتفاعلاته مع محيطه”.
ونبهت ندى الفضل إلى أن “الإحساس بالتحكم في مجريات الحياة يؤثر بقوة في استقبال العام الجديد؛ فحين يشعر الإنسان بأن له قدرة على اتخاذ القرار وتوجيه مساره، يصبح المستقبل أقل إخافة وأكثر قابلية للتوقع. أما حين يسود الإحساس بالعجز أو فقدان السيطرة، تتحول البداية الجديدة إلى مصدر توتر بدل أن تكون مساحة للأمل”.
التحول الداخلي
ترى ندى الفضل أنه “لا يمكن إغفال الحالة النفسية الراهنة؛ فالقلق أو الإرهاق أو الاكتئاب يجعل من نهاية السنة لحظة محاسبة قاسية للذات، مليئة بالمقارنات والأسئلة المؤلمة حول ما لم يتحقق. وفي المقابل، حين يكون الإنسان في حالة توازن نسبي، يستطيع أن يرى مرور الزمن كجزء طبيعي من النمو لا كتهديد”.
واستدركت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية قائلة: “رغم كل هذه الاختلافات، يمكن للمرء أن يعيد بناء علاقته بالسنة الجديدة بطريقة أكثر طمأنينة”، مشددة على أن “تعزيز المشاعر الإيجابية لا يعني تجاهل الصعوبات؛ بل يبدأ بإعادة النظر إلى السنة الماضية بوصفها تجربة تعليمية لا محكمة إدانة، والاعتراف بما تم تعلمه، مهما كان الثمن، يخفف ثقل الندم ويمنح معنى لما مضى”.
وأكدت المتحدثة عينها أن “تبني أهداف واقعية، صغيرة وقابلة للتحقق، يساعد على تحويل الأمل من فكرة مجردة إلى خطوات ملموسة، فالحياة لا تتغير دفعة واحدة مع تبدل التقويم؛ بل تتشكل عبر قرارات يومية بسيطة، والتركيز على الحاضر، بدل الغرق في مخاوف المستقبل، يخفف القلق ويعيد الإحساس بالاستقرار الداخلي”.
وختمت ندى الفضل توضيحها بالإشارة إلى أن “العناية بالذات، نفسيا وجسديا، تبقى حجر الأساس في استقبال أي بداية جديدة؛ لأن الإنسان، الذي يصغي لمشاعره ويحترم حدوده ويحيط نفسه بعلاقات داعمة، يرى المستقبل بعين أقل قسوة وأكثر رحمة”، مشددة على أن “السنة الجديدة ليست هي التي تحدد مصيرنا، بل الطريقة التي نحملها بها المعنى؛ فحين نغير نظرتنا إلى الزمن، نمنح أنفسنا فرصة حقيقية لبدء عام جديد بوعي أعمق، وهدوء أكبر، وأمل قابل للنمو”.
