اخبار المغرب

تفكيك آليات الدعاية السوداء .. “الذباب الإلكتروني” يتناسل في الفضاء الرقمي

لم تعد منصات الاخبار السعودية الاجتماعي مجرد أدوات للتعبير الفردي أو فضاءات لتبادل الآراء، بل تحولت في السياق المعاصر إلى بنية مركزية لإنتاج الوعي الجمعي وإعادة توجيهه. داخل هذا التحول العميق لم يعد الصراع محصورا في الفاعلين السياسيين المرئيين أو في أدوات القوة الصلبة، بل ظهر نمط جديد من الفاعلين غير المنظورين، لا يحضرون بأسمائهم ولا بهوياتهم الصريحة، لكن أثرهم في المجال العمومي يتجاوز في كثير من الأحيان أثر الفاعلين التقليديين. نحن هنا أمام ممارسة ممنهجة تندرج ضمن منظومات الدعاية العدوانية والدعاية السوداء (Black Propaganda)، وتشكل أحد أوجه ما تعرف بالحرب الإدراكية (Cognitive Warfare).

في هذا السياق يبرز ما يعرف بالذباب الإلكتروني بوصفه التعبير التنفيذي العملي عن هذه الدعاية في الفضاء الرقمي، ويقصد به شبكات من الحسابات التي تشتغل بشكل منسق وممنهج، سواء كانت حسابات وهمية، أو حسابات آلية، أو حسابات حقيقية موجهة، وهي الشبكات التي توصف في الأدبيات المعاصرة بمزارع الترول (Troll Farms)، حين تكون مدارة من فرق بشرية منظمة، أو بسلوك غير أصيل منسق حين تجمع بين العنصر البشري والآلي. كما تعتمد هذه الشبكات في كثير من الأحيان على تقنيات الأستروتيرفينغ (Astroturfing)، أي تصنيع دعم شعبي زائف يوحي بوجود سخط جماعي عفوي، بينما هو في الواقع نتاج عمل منظم وموجه.

لا تكمن خطورة الذباب الإلكتروني في مضمون رسائله فقط، بل في طريقة اشتغاله القائمة على الكثافة، والتزامن، والتكرار، واستهداف النقاشات ذات الحساسية العالية؛ فهو لا يسعى إلى بناء خطاب متماسك أو الدفاع عن أطروحة محددة، بل يعمل على إغراق الفضاء العمومي بالضجيج، وتشويه مسارات النقاش، وخلق انطباع زائف بوجود رأي عام غاضب أو ساخط بشكل شامل، مع إخفاء المصدر الحقيقي للخطاب وانتحال هوية داخلية محلية.

ولا يمكن اختزال هذه الممارسات في تعليقات مسيئة أو حسابات مزعجة، لأن جوهر الظاهرة لا يكمن في مضمون الخطاب وحده، بل في البنية التي ينتج داخلها. نحن أمام نشاط رقمي منظم، يقوم على التكرار الكثيف، والانتشار المتزامن، والاستهداف الدقيق لفضاءات بعينها في لحظات محسوبة، بما يحول النقاش العمومي من فضاء لتبادل الحجج إلى مجال مشبع بالضجيج والانفعال. في هذا السياق لا يعود الهدف هو الإقناع أو الدفاع عن موقف محدد، بل فرض مناخ نفسي عام قوامه الإحباط، وانعدام الثقة، والشعور بالعجز الجماعي.

تكمن الخطورة الكبرى لهذا النمط من الدعاية في طابعه التمويهي، فالخطاب لا يقدم نفسه كخطاب خارجي معاد، بل كصوت داخلي ساخط، يتكلم بلسان المواطن العادي، ويستعير لغته اليومية، ويستحضر قضاياه الواقعية. هذا الانتحال الرمزي للهوية الوطنية (Impersonation) ليس تفصيلا تقنيا، بل عنصرا حاسما في الفعالية الدعائية، لأنه يسمح بتقويض الثقة من الداخل، لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر التشكيك الذاتي المستمر، وتحويل المجتمع إلى خصم لنفسه.

في هذا المستوى بالذات يتضح معنى الحرب الإدراكية بوصفها مفهوما يتجاوز التضليل الإعلامي أو نشر الأخبار الكاذبة، فالحرب الإدراكية لا تستهدف المعلومة في حد ذاتها، بل تستهدف الكيفية التي يعالج بها الفرد والمجتمع هذه المعلومة. إنها حرب على آليات الفهم، وعلى القدرة على التمييز، وعلى شروط التفكير الهادئ واتخاذ الموقف. لا تسعى هذه الحرب إلى إقناع المتلقي بسردية واحدة، بل إلى إعادة تشكيل بيئة الإدراك نفسها، بحيث يصبح الالتباس هو القاعدة، ويغدو الشك الدائم حالة ذهنية عامة، وتضعف القدرة على بناء معنى مشترك أو ثقة متبادلة.

يتم داخل هذا الإطار تضخيم الأحداث الجزئية، وتعميم الفشل، وربط الأخطاء الفردية بصورة كلية قاتمة، بما ينتج سردية ضمنية مفادها أن الانهيار هو الوضع الطبيعي، وأن أي حديث عن البناء أو الإصلاح ليس سوى تزييف أو سذاجة أو تواطؤ. ولا يتعلق الأمر هنا بتوجيه الرأي العام نحو خيار سياسي محدد، بل بإضعاف قدرته على التماسك، وعلى التفكير المشترك، وعلى الإحساس بإمكانية الفعل الجماعي.

ولا يمكن فهم فعالية هذا النمط من الدعاية دون الانتباه إلى العلاقة البنيوية التي تربطه بمنطق المنصات الرقمية نفسها. فالخوارزميات (Algorithms) لا تكافئ الاتزان ولا العمق، بل تكافئ الإثارة والانفعال. وكلما كان الخطاب أكثر حدية وتطرفا زادت قابليته للانتشار. في هذا الإطار يتحول الانفعال إلى رأسمال رمزي، ويصبح السباب وسيلة للوصول، ويغدو الضجيج بديلا عن الحجة. هنا لا يعود الفاعل التخريبي مجرد عنصر دخيل، بل جزءا من منظومة أوسع تعيد تشكيل النقاش العمومي على أساس الانفعال لا التفكير.

النتيجة المباشرة لهذا المسار هي ما يمكن تسميته التسميم البطيء للمجال الرمزي. تتآكل المعايير الأخلاقية للنقاش، ويتم تطبيع العنف اللفظي، ويصبح الشك في كل شيء هو الوضع الافتراضي. ومع مرور الزمن تتراجع القدرة الجماعية على التمييز بين النقد والمزايدة، بين المعارضة والهدم، بين الغضب المشروع والتأجيج المتعمد. وهنا تتحقق أخطر نتائج الدعاية العدوانية: ليس إقناع الناس بفكرة بعينها، بل إنهاكهم إدراكيا، ودفعهم إما إلى اللامبالاة العامة، أو إلى العداء الأعمى غير المؤطر.

إن مواجهة هذا النمط من الاستهداف لا يمكن أن تختزل في الحلول التقنية وحدها، ولا في حذف الحسابات أو سن القوانين فقط، رغم أهمية هذه الإجراءات. المعركة الحقيقية هي معركة وعي؛ أول مستوياتها هو إعادة الاعتبار للتفكير النقدي بوصفه ممارسة اجتماعية عامة، لا امتيازا نخبويا. فالنقد الحقيقي يسائل الواقع بهدف الفهم والتصحيح، أما الخطاب العدمي فلا يسائل إلا ليهدم، ولا يفتح أفقا إلا ليغلقه.

كما أن الانجرار إلى الردود الانفعالية يمثل في كثير من الحالات شكلا من أشكال التعاون غير الواعي مع الدعاية العدوانية. فالتفاعل الغاضب يمنح هذا الخطاب ما يحتاجه: الانتشار، والتضخيم، والشرعية الخوارزمية. في المقابل يشكل الصمت الواعي، أو الرد المحدود المحكوم بالحجة، خيارا إستراتيجيا في مواجهة غير متكافئة، حيث لا يقاس الانتصار بعلو الصوت، بل بسلامة الإدراك.

في المحصلة نحن أمام تحول عميق في طبيعة الصراع المعاصر، حيث لم تعد السيطرة تمر عبر الأرض أو المؤسسات فقط، بل عبر العقول. وفي هذا النوع من الصراعات لا تكون الهزيمة في خسارة نقاش عابر، بل في فقدان القدرة على التفكير الهادئ، وعلى الثقة المتبادلة، وعلى رؤية الواقع في تعقيده، لا في صورته المشوهة أو الكاريكاتورية. هنا بالضبط يصبح الوعي، لا الضجيج، هو خط الدفاع الأول.

وفي هذا الإطار تتأكد أهمية الوعي الجماعي حين تقترن لحظات النقاش الرقمي بنجاحات وطنية كبرى، كما هو الحال في التنظيم التاريخي بكل المقاييس لكأس إفريقيا لكرة القدم ببلدنا؛ فمثل هذه الاستحقاقات لا تكتسب معناها فقط من مستواها التنظيمي أو رمزية حضورها القاري، بل من قدرتها على إبراز تماسك داخلي فعلي، يتجلى في التفاف المجتمع حول منجز جامع، وفي تعامله الهادئ مع ما يثار على هامش الفضاء الرقمي. هنا لا تملك الدعاية السوداء سوى حضور عابر، لأن البناء الرمزي للنجاح يكون أقوى من أي محاولة تشويش، ويؤكد أن الوعي المستقر هو الذي يحسم في نهاية المطاف شكل إدراك الحدث ومعناه داخل المجال العمومي.