خريطة «النواب» المصري… سيطرة لـ«الموالاة» وحضور خافت للمستقلين والمعارضة

قبل أيام من إعلان النتائج الرسمية النهائية لانتخابات مجلس النواب، تكشف الخريطة الأولية لتشكيلته الجديدة، عن هيمنة واضحة لأحزاب «الموالاة»، مقابل حضور محدود للمستقلين والمعارضة، وسط جدل واسع رافق العملية الانتخابية منذ بدايتها وحتى مراحلها الأخيرة.
ومن المقرر أن تعلن «الهيئة الوطنية للانتخابات»، يوم 10 يناير (كانون الثاني) الحالي، النتائج الرسمية لجولة الإعادة الخاصة بالدوائر الـ27 التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية خلال المرحلة الأولى، لتُختتم بذلك أطول انتخابات برلمانية في تاريخ مصر الحديث، والتي انطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، واستمرت نحو شهرين، وشابتها اتهامات بتجاوزات في عمليات الفرز وشراء الأصوات؛ ما استدعى تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبعدها قررت «الهيئة الوطنية للانتخابات» إبطال العملية في عدد من الدوائر، وكذلك «المحكمة الإدارية العليا»، فأُعيدت الانتخابات في عشرات الدوائر، لتمتد إلى 7 جولات.
وسيطرت أحزاب الموالاة، وهي «مستقبل وطن» و«حماة وطن» و«الجبهة الوطنية» على غالبية مقاعد المجلس الجديد، وحصدت مجتمعة نحو 410 مقاعد، أي 72 في المائة من إجمالي مقاعد المجلس، مقابل 158 مقعداً لأحزاب المعارضة والمستقلين أي 28 في المائة، بحسب «الهيئة العامة للاستعلامات» (حكومية).
ويضم المجلس الجديد 15 حزباً سياسياً، من بينهم 7 أحزاب مؤيدة للسلطة، و8 أحزاب مصنفة في صفوف المعارضة.
ويصف عبد الناصر قنديل، مدير «المجموعة المصرية للدراسات البرلمانية» في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الخريطة بأنها تحمل مؤشراً إيجابياً يتمثل في عدم تغوّل حزب واحد على البرلمان، كما حدث في المجلس السابق، حين استحوذ «مستقبل وطن» على أكثر من نصف المقاعد.
وبحسب القانون، يبلغ عدد أعضاء المجلس 568 نائباً منتخباً، نصفهم بنظام الفردي والنصف الآخر بالقائمة، إضافة إلى تعيين الرئيس لما لا يزيد على 28 عضواً.
أما عن المعارضة، فتشير البيانات الرسمية إلى حصول 8 أحزاب على 53 مقعداً، أي نحو 10 في المائة من الأعضاء المنتخبين، نصفهم تقريباً ضمن «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تأسست عام 2019 من أحزاب وشخصيات عامة، غير أن هذه القراءة الرسمية، بحسب قنديل، تبدو «رقمية وحادة، ولا تعكس الواقع السياسي بدقة»، وهي من منظوره «تهدف لتحسين صورة البرلمان بعد الانتقادات، خصوصاً ما يتعلق بالمال السياسي وهندسة القوائم».
ويشير إلى أن 3 أحزاب رئيسية انسحبت بالفعل من الحركة المدنية، وهي: «المصري الديمقراطي الاجتماعي»، و«العدل»، و«الإصلاح والتنمية»، خلال الانتخابات الرئاسية المصرية السابقة.
وتوزعت مقاعد المعارضة، كما صنفتها «هيئة الاستعلامات» كالتالي: 11 مقعداً لكل من «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«حزب العدل»، و9 مقاعد لكل من «حزب الإصلاح والتنمية» و«حزب الوفد»، و6 مقاعد «للنور»، و5 «للتجمع»، ومقعد واحد لكل من «المحافظين» و«الوعي».
لكن قنديل يرى أن تصنيف هذه الأحزاب كمعارضة لا يعكس موقفها السياسي الفعلي، إذ – وفق رؤيته – فإن «بعضها لم يعلن معارضته صراحة، وأخرى وهي أحزاب تاريخية، انتهجت مواقف برلمانية في المجلس السابق تتماهى مع الأحزاب الموالاة»، مؤكداً أن «المحك الحقيقي سيكون داخل البرلمان عند مناقشة القوانين».

ويبدي متابعون للشأن المصري اهتماماً بوجود 105 نواب مستقلين، أي أكثر من 18 في المائة من الأعضاء المنتخبين، لاعتبارات المحافظة على بعض من التوازن وسط حضور طاغٍ لأحزاب الموالاة في البرلمان.
ويقسم قنديل هؤلاء النواب المستقلين إلى «الذئاب المنفردة» وهم قياديون في الأحزاب تجنبتهم اختياراتها بفعل حسابات خاصة، و«طارقي الأبواب» ممن حاولوا الترشح عبر الأحزاب، لكنها رفضتهم، و«المستقلون الحقيقيون» مثل ضياء الدين داود وأحمد فرغلي والدكتور رضا عبد السلام.
أما البرلماني والإعلامي عماد الدين حسين فيبدو أكثر تفاؤلاً، مشيراً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «عدد النواب المستقلين والمعارضين هو الأعلى منذ 2014»، وبعضهم نجح على حساب مرشحي الموالاة، مؤكداً «أن التدخل الرئاسي أعاد التوازن، وأن المستقلين لن يتحولوا بالضرورة إلى موالاة، والفيصل في مواقفهم هو القوانين وأداء البرلمان، خصوصاً مع الحاجة لمجلس قوي وحيوي على حدود غزة وليبيا والسودان».
ورغم الخطاب الرسمي وشبه الرسمي، الذي يعكس ارتياحاً نسبياً بشأن تركيبة البرلمان المقبل، يرى خبراء، من بينهم نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، أن الأداء الفعلي للمجلس قد لا يختلف عن السابق.
وانتقد ربيع في حديث لـ«الشرق الأوسط»، «قراءة رسمية تبدو شكلية للأرقام» و«تجاهل المشكلات البنيوية للنظام الانتخابي، مثل نظام القوائم، وتقسيم الدوائر، وتوريث المقاعد، والمخالفات الانتخابية، التي تعكس تراكمات التجربة الحزبية منذ سبعينات القرن الماضي».
ومن المتوقع أن يعقد مجلس النواب الجديد، أولى جلساته منتصف الشهر الحالي، مع ترجيحات بأن تُسند رئاسة المجلس إلى شخصية قضائية رفيعة.
