استطلاع يكشف "الأكثر قلقا" من تأثر الوظائف بالذكاء الاصطناعي

يشير استطلاع حديث صادر عن شركة “راندستاد” ونشرت نتائجه اليوم الثلاثاء إلى اعتقاد أغلبية ساحقة من العمال، بواقع أربعة من كل خمسة، بأن الذكاء الاصطناعي سيؤثر بشكل كبير على مهامهم اليومية في أماكن العمل. ويسلط التقرير الضوء على أن أفراد “الجيل زد” هم من بين الأكثر قلقًا بشأن هذا التأثير المتزايد، وذلك في ظل الاعتماد المتسارع للشركات على روبوتات الدردشة المدعمة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات الأتمتة.
يعكس هذا الاستطلاع، الذي شمل عينة واسعة من القوى العاملة، مخاوف متنامية حول مستقبل العمل وتأثير التكنولوجيا على الأدوار الوظيفية. وتأتي هذه النتائج لتؤكد الأنباء المتداولة حول التغييرات الجذرية التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل المختلفة، مما يفرض على الشركات والعمال على حد سواء ضرورة التكيف والاستعداد لهذه التحولات.
تأثير الذكاء الاصطناعي على المهام اليومية: مخاوف “الجيل زد”
أظهر الاستطلاع أن ما يقارب 80% من العمال يتوقعون رؤية تغييرات في طبيعة مهامهم بسبب الذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا التوقع في سياق التطورات السريعة في مجال الأتمتة وروبوتات الدردشة، مثل ChatGPT وغيرها من الأدوات التي باتت جزءًا لا يتجزأ من العمليات التشغيلية في العديد من القطاعات. هذه الأدوات قادرة على أتمتة مهام روتينية ومعقدة على حد سواء، مما يثير تساؤلات حول الحاجة إلى مهارات جديدة.
تبرز المخاوف بشكل خاص لدى “الجيل زد”، وهم العاملون الذين ولدوا في منتصف التسعينيات وحتى أوائل عام 2010. يُعتقد أن هذه الفئة العمرية، التي لا تزال في بداية مسيرتها المهنية، تشعر بقلق أكبر بشأن كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على فرصها المستقبلية وقدرتها على المنافسة في سوق عمل متغير. قد يرجع هذا القلق إلى احتمال أن تكون وظائفهم المستقبلية أكثر عرضة للأتمتة مقارنة بالوظائف التقليدية.
الأسباب وراء المخاوف والاعتماد المتزايد
يكمن السبب الرئيسي لهذا القلق في السرعة التي تتبناها الشركات لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي. تسعى الشركات إلى زيادة الكفاءة، وخفض التكاليف، وتحسين الإنتاجية من خلال الاستفادة من الأتمتة وروبوتات المحادثة. هذه الأدوات يمكنها معالجة كميات هائلة من البيانات، وتقديم الدعم الفوري للعملاء، والمساعدة في اتخاذ القرارات، وحتى أتمتة مهام الكتابة وإنشاء المحتوى. هذا التبني الواسع يعد مؤشرًا على تحول عميق في كيفية إنجاز العمل.
تتعدد مجالات التطبيق للذكاء الاصطناعي، لتشمل خدمة العملاء، وإنشاء المحتوى، والتحليل المالي، والبرمجة، وحتى القطاعات الإبداعية. ومع تزايد قدرات هذه الأدوات، يصبح من الطبيعي أن يشعر العمال، وخاصة الشباب منهم، بالقلق بشأن ما إذا كانت مهاراتهم ستظل ذات قيمة في المستقبل. يتعلق الأمر ليس فقط بفقدان الوظائف، بل أيضًا بالحاجة إلى إعادة التأهيل واكتساب مهارات جديدة للتكيف مع بيئات العمل الجديدة.
التداعيات على سوق العمل
تشير التداعيات المحتملة إلى إعادة تشكيل جوهرية لسوق العمل. قد تتراجع الحاجة إلى بعض المهارات الروتينية، بينما تزداد أهمية المهارات التي تتطلب الإبداع، والتفكير النقدي، والذكاء العاطفي، والقدرة على التعاون مع الآلات. إن التكيف مع هذه التغييرات لن يكون سهلاً ويتطلب استثمارات كبيرة في التدريب وإعادة التأهيل المهني.
من المتوقع أن تشهد بعض القطاعات تحولاً أسرع من غيرها. القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على المهام المتكررة والقابلة للقياس تكون أكثر عرضة للأتمتة. في المقابل، قد تستفيد القطاعات التي تتطلب تفاعلاً إنسانياً عميقاً وابتكاراً مستمراً من هذه التقنيات كأدوات مساعدة لتعزيز القدرات وليس لاستبدال العنصر البشري بالكامل.
مستقبل العمل والتكيف
يبقى السؤال الرئيسي هو كيف ستتعامل الشركات والعاملون مع هذه التحديات. تحتاج الشركات إلى تطوير استراتيجيات واضحة لدمج الذكاء الاصطناعي بطريقة لا تضر بالقوى العاملة، بل تعززها. ويشمل ذلك توفير فرص تدريب مستمر، وتشجيع الابتكار، ووضع سياسات تضمن توزيع فوائد الأتمتة بشكل عادل.
بالنسبة للعاملين، يصبح التعلم المستمر هو المفتاح. اكتساب مهارات جديدة، فهم كيفية العمل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، وتطوير المهارات البشرية الفريدة، كلها أمور ضرورية للبقاء في طليعة سوق العمل المتغير. يترقب الخبراء في مجال الاقتصاد وسوق العمل عن كثب تطورات التبني المتزايد لهذه التقنيات، وما إذا كانت الشركات ستتمكن من تحقيق التوازن بين الكفاءة البشرية والتكنولوجيا، مع مراعاة التأثير الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل.
