خبير تشفير يحذر من استغلال الذكاء الاصطناعي في التزييف

حذر خبير التشفير الأمريكي البارز، ستيوارت هابر، من المخاطر المتزايدة لتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في تفاقم التزييف العميق والاحتيال الرقمي، مما يهدد الثقة في المحتوى الرقمي. جاء هذا التحذير خلال مؤتمر نظمته جامعة ستانفورد مؤخراً، حيث أشار هابر إلى أن التطورات السريعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي تجعل من الصعب بشكل متزايد تمييز المحتوى الحقيقي من المزيف.
وأكد هابر، وهو شخصية مؤثرة في مجال أبحاث التشفير، أن الأدوات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي أصبحت متاحة لجمهور أوسع، مما يفتح الباب أمام إساءة استخدامها لنشر معلومات مضللة، وتزييف صور ومقاطع فيديو، وشن حملات احتيال أكثر إقناعاً. يواجه المجتمع الآن تحدياً يتمثل في كيفية مواكبة هذه التهديدات المتطورة.
تزايد مخاطر الذكاء الاصطناعي الاحتيالي
يشير ستيوارت هابر، الذي يمتلك خبرة واسعة تمتد لعقود في مجال التشفير وأمن المعلومات، إلى أن الاعتماد المتزايد على تقنيات التعلم الآلي والخوارزميات المعقدة قد بات يشكل أرضية خصبة لنمو ظاهرة التزييف العميق (Deepfakes). هذه التقنيات تمكن الأفراد من إنشاء محتوى رقمي بصري أو سمعي يبدو حقيقياً ولكنه في الواقع مزيف بالكامل، مما يفتح أبواباً واسعة لممارسات احتيالية.
ويكمن الخطر الكبير، بحسب هابر، في القدرة على توليد محتوى مزيف يصعب اكتشافه بالأدوات التقليدية. يمكن لهذه التقنيات تقليد أصوات الأشخاص، وإنشاء وجوه وهمية، وتلفيق تفاعلات لم تحدث قط. هذا التطور يهدد بشكل مباشر فهمنا للواقع وقدرتنا على الوثوق بالمعلومات التي نتلقاها عبر المنصات الرقمية.
الذكاء الاصطناعي كأداة للتزييف
شرح هابر كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُستخدم لإنشاء قصص وهمية، أو لتصوير شخصيات عامة في مواقف غير لائقة، أو حتى لسرقة هويات الأفراد من خلال تقليد أصواتهم أو فيديوهاتهم. هذه التهديدات لا تقتصر على الأفراد فحسب، بل تمتد لتشمل المؤسسات والحكومات، حيث يمكن استخدامها لنشر دعاية مضللة أو زعزعة الاستقرار.
تتمثل الآلية الأساسية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من البيانات الحقيقية. بعد ذلك، يمكن لهذه النماذج توليد نسخ معدلة أو جديدة تمامًا تحاكي الأسلوب والخصائص الأصلية. هذه العملية أصبحت أسرع وأكثر فعالية مع تقدم قوة المعالجة والتقنيات المستخدمة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
يُعزى تزايد إمكانية استغلال الذكاء الاصطناعي لغرض التزييف إلى عدة عوامل. أولاً، انخفاض تكلفة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وثانياً، سهولة استخدامها نسبياً مقارنة بالتقنيات التقليدية المعقدة. هذا الانفتاح يوسع دائرة المستخدمين المحتملين لهذه الأدوات، بما في ذلك أولئك الذين قد تكون نواياهم سيئة.
تتعدد آثار هذا الاستغلال لتشمل فقدان الثقة في وسائل الإعلام، وتصاعد جرائم الاحتيال المالي، والإضرار بسمعة الأفراد والشركات. كما يمكن أن يستخدم التزييف العميق للتأثير على الرأي العام في الانتخابات أو خلق بلبلة اجتماعية. أصبح اكتشاف التزييف العميق مهمة متزايدة الصعوبة، مما يستدعي تطورات مستمرة في أدوات الكشف.
ما الذي يمكن فعله؟
يؤكد هابر على الحاجة الملحة لتعزيز الوعي بمخاطر التزييف العميق، وتطوير تقنيات أكثر فعالية للكشف عن المحتوى المزيف. كما تبرز أهمية وضع أطر تنظيمية وقانونية لمواجهة هذه الظواهر، وتحديد المسؤوليات. التعاون بين الباحثين، وشركات التكنولوجيا، وصناع السياسات يعد ضرورياً لمواجهة هذا التحدي المعقد.
إن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق المطورين والجهات التنظيمية، بل تمتد لتشمل المستخدمين الذين يجب أن يكونوا أكثر حذراً وانتقاداً للمعلومات التي يصادفونها عبر الإنترنت. فهم كيفية عمل هذه التقنيات، والبحث عن مصادر موثوقة، والاستعانة بأدوات التحقق من المعلومات يمثل خط دفاع أساسي.
تعتبر مبادرات مثل تطوير أدوات للكشف الآلي عن التزييف العميق، وإنشاء شهادات رقمية للمحتوى الموثوق، خطوات نحو بناء بيئة رقمية أكثر أماناً. ومع ذلك، فإن السباق مستمر بين من يطورون تقنيات التزييف ومن يطورون تقنيات الكشف، مما يستلزم يقظة دائمة.
أما بالنسبة للخطوات المستقبلية، فإن هابر يشير إلى أن العمل مستمر على تطوير نماذج تعلم آلي يمكنها “تحديد بصمات” المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن التحدي يكمن في أن تقنيات التزييف تتطور باستمرار، مما يجعل من الصعب التنبؤ بموعد تحقيق حلول نهائية ومستدامة. تظل الشفافية العالية والمصادر الموثوقة هي خط الدفاع الأول ضد موجة التزييف القادمة.
