اخر الاخبار

سفارة فلسطين في بريطانيا… لحظةً تاريخيةً وبداية تصحيح مسار .. د. عباس مبارك

في لحظةٍ تتجاوز بعدها الدبلوماسي إلى عمقٍ أخلاقي وتاريخي، يأتي افتتاح سفارة دولة فلسطين في بريطانيا بوصفه حدثاً مفصلياً، لا يقتصر على كونه إجراءً بروتوكولياً بين دولتين، بل يمثل بدايةً جادةًلتصحيح مسار تاريخي طويل من الظلم والإنكار، ويعيد طرح سؤال المسؤولية البريطانية عن واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية إلحاحاً في العصر الحديث: قضية فلسطين وقضية الشعب الفلسطيني.

لا يمكن فهم دلالة هذا الافتتاح دون العودة إلى الجذور التاريخية للدور البريطاني في فلسطين. فمنذ وعد بلفور عام 1917، وضعت بريطانيا الأساس السياسي والقانوني لمأساةٍ ما زالت فصولها تتوالى حتى اليوم. 

ذلك الوعد، الذي منح من لا يملك لمن لا يستحق ، لم يكن مجرد خطأًسياسياً عابراً ، بل تعبيراً عن عقلية استعمارية تجاهلت وجود شعبٍ كامل ، وحقه في الأرض والحرية وتقرير المصير. ومع الانتداب البريطاني على فلسطين، تعمّق هذا الظلم عبر سياسات ممنهجة سهّلت الاستيطان ، وقمعت الثورات الفلسطينية المتوالية ، ومهّدت الطريق لنكبة عام 1948 وما تلاها من تهجير وتشريد وإبادة جماعية ومعاناة مستمرة.

إن الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين وافتتاح سفارتها في لندن يحملان اعترافاً ضمنياً ، وإن تأخر كثيراً ، بأن السياسات البريطانية المتعاقبة كانت جزءاً أساسياً من المأساة الفلسطينية. وهو إقرار بأن ما جرى لم يكن حتميةً تاريخيةً ، بل نتيجة قرارات سياسية خاطئة ، افتقرت إلى العدالة والإنصاف. من هنا، فإن هذه الخطوة تمثل بدايةً لمسارٍ تصحيحي، يضع بريطانيا أمام مسؤوليتها الأخلاقية ، ليس فقط تجاه الفلسطينيين ، بل أيضاً تجاه قيم العدالة وحقوق الإنسان التي طالما ادّعت الدفاع عنهما.

تصحيح المسار التاريخي لا يعني إعادة كتابة الماضي فحسب ، بل التعامل مع نتائجه الحية والمؤلمة. فالشعب الفلسطيني ما زال يدفع ثمن ذلك التاريخ: احتلال مستمر ، حصار خانق ، استيطان متوسع، إبادة جماعية ، انتهاكات يومية ، ولاجئون حُرموا من حق العودة لأكثر من سبعة عقود. 

وعليه ، فإن افتتاح السفارة الفلسطينية في بريطانيا يبعث برسالةٍسياسيةٍ مفادها أن هذا الواقع لم يعد يمكن تجاهله أو التعامل معه كأمر طبيعي. إنه اعتراف بأن المعاناة الفلسطينية ليست ”نزاعاً“ مجردًا، بل نتيجة ظلم تاريخي متراكم يتطلب موقفاً واضحاً ًوشجاعاً.

كما أن لهذه الخطوة بعداً مهماً داخل المجتمع البريطاني نفسه. فالتاريخ الاستعماري لبريطانيا، ومنه تاريخها في فلسطين ، ما زال يلقي بظلاله على حاضرها السياسي والأخلاقي. الاعتراف بفلسطين يفتح الباب أمام مصالحةٍ مع الذات ، ومع ماضٍ يحتاج إلى مراجعةٍ نقديةٍ صادقة. وهو ينسجم مع تنامي الوعي داخل الأوساط الشعبية والأكاديمية البريطانية بحقيقة ما جرى ويجري في فلسطين، ومع تصاعد الأصوات التي تطالب بسياسةٍ خارجيةٍ أكثر اتساقاً مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

إن افتتاح سفارة فلسطين في لندن ليس نهاية الطريق ، بل بدايته. فالتكفير الحقيقي عن التاريخ المظلم لا يكتمل بالرمزية وحدها ، بل يتطلب سياسات عملية: دعماً فعلياً لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة ، الضغط لوقف الاستيطان ، حماية المدنيين ،والاعتراف بحق العودة وفق القرارات الدولية. ومع ذلك، تبقى الرمزية ذات وزن كبير ، لأنها تكسر جدار الإنكار ، وتنقل فلسطين من هامش السياسة إلى مركزها.

في المحصلة ، تمثل هذه اللحظة التاريخية فرصة نادرة لبريطانيا كي تعيد تموضعها الأخلاقي ، وتثبت أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفاً ،بل قوة ومسؤولية. ويمثل افتتاح سفارة دولة فلسطين في بريطانيا خطوةً أولى في مسار طويل نحو العدالة ، ورسالة أملٍ لشعبٍ أنهكته المعاناة ، لكنه ما زال يؤمن بأن التاريخ ، مهما طال ظلمه ، قابل للمراجعة والتصحيح.