تكنولوجيا

الملخصات السنوية وعيوبها المخفية عن المستخدمين

أتتذكر بداية الألفينات؟ تلك الفترة المليئة بتقنيات جديدة وقتها، وكيف كانت السلع الترفيهية من كتب وروايات وأفلام تتنبأ بالمستقبل وكيف سيكون ملئ بالأشياء الرائعة التي كانت أقرب إلى يوتوبيا أكثر من كونها واقعية آنذاك.

لقد جرت الأيام وها نحن الآن في هذا المُستقبل، لكنه لا يُشبه ذلك الذي رأيناه آنذاك! نعيش الآن في عالم مقيت، مُتشبّعِ بحيل نفسية لجعلك تستهلك أشياء أنت لست بحاجة إليها. سواء كان استهلاكك لمقاطع قصيرة بالساعات دون ان تشعر، أو شرائك لمنتجات، أو اشتراكك لخدمات البث هنا وهناك، او لجعلك تستخدم منصة لأطول فترة ممكنة. وكل ذلك يحدث دون أن تشعر. لم تتوقع ان المستقبل سيكون بهذا السوء وقتها أليس كذلك؟

خلال شهر ديسمبر من كل عام، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي المختلفة برسومات ملونة وخطوط مميزة وإحصائيات شخصية. سواءً كانت ملخصات سبوتيفاي (Spotify Wrapped)، أو Apple Music Replay، أو Steam Replay أو حتى ملخصات العام على باقي المنصات، لتُصبح هذه اللحظات الرائجة تقليدًا عصريًا في موسم نهاية العام. ننتظر بشغف لنرى إذا كنا ضمن “أفضل 0.5% من المستمعين” لفناننا المفضل، أو ما تكشفه “هالتنا الصوتية” عن شخصيتنا.

لكن بينما تُقدم هذه “المُلخصات” كهدية ممتعة وشخصية لك لشكرك على ولائك ووقتك الذي أمضيته في استخدام منصتهم، إلا أنها في الواقع تخدم غرضًا عمليًا أكثر بكثير بالنسبة لشركات التكنولوجيا العملاقة التي تقف خلفها. إنها بمثابة إيصال مرئي ولامع لعملية التتبع الدقيقة والشاملة التي تتم بصمت خلف الكواليس كل يوم.

الآن، وبعد أن شاركت أهم إنجازاتك على تلك المنصات مُتفاخرًا بين أقرانك بما وصلت إليه، دعني أزف إليك الخبر الصادم! إليك الحقيقة حول ما يغذي لحظاتك الممتعة ومشاركتك لها على منصات التواصل الإجتماعي المختلفة، ولماذا تحبها الشركات، والمخاطر الخفية لتحويل المراقبة الرقمية إلى احتفال.

واجهة عرض ملخص مستخدمين شات جي بي تي لعام 2025

كل ما تفعله مُراقب بدقّة شديدة!

لإنشاء ملخص دقيق عن كل ما فعلته خلال السنة بأكملها وبشكل مثير للريبة! لا تستطيع المنصّات ببساطة تتبّع ما تستخدمه، بل يجب عليها تتبع كيفية تفاعلك داخل منظومتها الرقمية. وهنا يأتي سحر الخوارزمية لأن ما يحدث في الخلفية ليس مجرد جمع عشوائي للبيانات.

لإنشاء هذه الملخصات لك، تقوم المنصات بتتبع كل تفاعل تقريبًا تقوم به داخل تطبيقها أو منصتها بالشكل الآتي:

التفاعل الدقيق: لا يقتصر الأمر على ما نقرت عليه فحسب، بل يتم عمل سجل بكل أغنية أو فيديو أو منشور تفاعلت معه، وعدد مرّات المشاهدة أو الاستماع إليه، ومدة هذا التفاعل بالتحديد. هل تخطيته بعد 10 ثوانٍ؟ هل كررته خمس مرات؟ كل تفاعل مهما كان دقيق، له أهمّية عندهم.

علم النفس السلوكي: لا تجمع المنصات عنك بيانات ومعلومات على ما تفضله فحسب، بل تتعداه إلى كيفية تصرفك. تتتبع المنصات ساعات نشاطك خلال اليوم وأيامك المفضلة في الأسبوع. وتحلل هذه الأنماط لتحديد “شخصية استماع” أو “هالة صوتية” لديك أو غيرها من المُصطلحات التي تُبتكر تحديدًا لوصف شئ مميز تفعله. أي أنهم ببساطة يُصنّفون حالتك النفسية بناءً على عاداتك الاستهلاكية.

البصمة التكنولوجية: تسجل هذه التقنية الأجهزة التي تستخدمها (مثل الانتقال من هاتف أندرويد إلى جهاز كمبيوتر مكتبي)، وبيانات موقعك بدقة، وقوائم التشغيل التي تنشئها أو تتابعها. يساعد هذا في بناء ملف تعريف لنمط حياتك. سواء كنت مسافرًا يوميًا، أو موظفًا، أو من رواد الصالات الرياضية، إلخ.

الخدعة التسويقية وراء الفكرة: لماذا يفعلون ذلك؟

إذا كانت البيانات هي النفط الجديد، فإن مُلخّصات نهاية العام هي المُحرّك الذي يُبقيها مشتعلة. هذه الحملات في حقيقة الأمر ما هي إلا أدوات تسويقية قيّمة ومُقنعة بصور مُحسنة لتقدير المستخدمين وحثّهم على الاستمرار في استخدام المنصة وتفعيل خاصية جمع البيانات عنهم طوعيًا.

إعلانات مجانية وتسويق ذاتي: عندما تشارك إحصائياتك لتكن Spotify Wrapped على سبيل المثال- عبر منصّات التواصل مثل إنستغرام أو اكس (المعروف سابقًا بـ تويتر)، فإنك توفر للمنصّة إعلانات مجّانية. من خلال تحويل بيانات المستخدمين إلى “عملة اجتماعية” قابلة للمشاركة، تحصل الشركات على انتشار هائل وغير مدفوع، وهو ما قد يكلف ملايين الدولارات لتحقيقه عبر الإنفاق الإعلاني التقليدي.

تذكير المستخدمين بـ إستثمارهم في المنصة: إدراكك أنك قضيت 45,000 دقيقة في الاستماع إلى الموسيقى على تطبيق واحد يُشكل حاجزًا نفسيًا يمنعك من تركه. الانتقال إلى تطبيق منافس يُشعرك وكأنك تفقد سجلك وإحصائياتك وجزءًا من هويتك و (إنجازاتك!). التركيز هنا يتم على عامل نفسي غير مرئي للمستخدمين، ويُعتبر فعل غير أخلاقي من وجهة نظري.

التحقق من صحة البيانات العاطفية: عندما يحدد ملخص بدقة حالتك المزاجية أو نوعك المفضل، فهذا يثبت أن المنصة “تعرفك جيدًا”. وهذا يعزز العلاقة العاطفية بين العلامة التجارية والمستخدم، ويجعلك بشكلٍ لاواعي تتعلق بالمنصة، وكأنها شريكك الذي لم تجده في البشر. لكنه يُخفي الحقيقة الباردة المتمثلة في أن هذه العلاقة الحميمة ما هي إلا نتيجة لخوارزمية هدفها الكسب المادي من ورائك، وليست صداقة.

ملحوظة: تلجأ بعد الشركات أيضًا إلى حيل ملتوية لجمع البيانات عنك حتى ولو أغلقت خاصية جمع البيانات من استخدامك للمنصة، مثلما فعلت ديسكورد هذا العام بمُلخّصها السنوي لمستخدميها. لكن إن كنت من الأشخاص الذين أغلقوا خاصية جمع البيانات، ستجد أن ملخصك السنوي فارغ مع رسالة تقول لك أن إعداداتك الخاصة بجمع البيانات أرغمتنا على عدم جمع معلومات عنك.

خدعة نفسية أُخرى هدفها جعلك تشعر بالوحدة أو التأخّر، أو حتى عدم الإنجاز وسط أصدقائك وهم يشاركون ملخصاتهم السنوية في كل مكان، فتذهب وتفعل خاصية جمع البيانات بنفسك لتعرف أكثر عن نفسك في العام المقبل.

الآليات وراء جمع معلوماتك: الحلقة المفقودة

توجد بعض العيوب التشغيلية التي قد تغفل عنها في هذه الملخصات وهي في واقع الأمر تكشف عن حدود معالجة البيانات:

الشهر المفقود: لكي تكون هذه الرسوم البيانية جاهزة في أوائل ديسمبر، تتوقف معظم المنصات عن تتبع الملخص السنوي في أواخر أكتوبر أو نوفمبر. إذا اكتشفت فنانًا مفضلًا جديدًا في ديسمبر، فمن المحتمل ألا يظهر في مُلخّصك من الأساس.

الجلسات الخاصة او الـ Private Sessions: تحترم معظم المنصات ما يُسمّونه بالـ”الوضع الخاص”. إذا قمت بتشغيل هذا الوضع، فسيتم استبعاد هذا النشاط عادةً من إحصائيات نهاية العام، وهي حسنة صغيرة في بحر من البيانات التي يتم جمعها عنك.

الحقائق الخفية: مخاطر المراقبة التي تحتفى بها كل عام

رغم سهولة اعتبار هذه الملخصات مجرد تسلية بريئة، إلا أنها تمثل تحولاً كبيرًا في نظرتنا إلى الخصوصية. حيث أننا لم نعد نتسامح مع المراقبة فحسب، بل بتنا نحتفي بها. كل عام!

جعل فكرة تتبع الشركات لك شئ عادي: يلاحظ النقاد أن هذه الملخصات تحول مخاوف الخصوصية إلى نفوذ اجتماعي. فمن خلال تغليف بيانات المراقبة بصورة جذابة وسهلة المشاركة، نجحت شركات التكنولوجيا في إعادة تسويق استخراج البيانات كخدمة. لقد تعلمنا أن نسأل: “ماذا تقول بياناتي عني؟” بدلاً من “لماذا لديكم كل هذه البيانات عني؟”

الأمر لا يقتصر على الموسيقى فقط، بل يشمل الجميع (حتى LinkedIn): لقد شجّع نجاح نموذج “التغليف” جميع القطاعات الأخرى على إظهار أن المستخدمين يستمتعون برؤية بياناتهم الخاصة مُنعكسة عليهم. الأمر الذي شجّع بدوره الشركات في مختلف المجالات على تكديس البيانات تحت ستار “ملخصات” مستقبلية. وقد رأينا هذا الأمر لأول مرة في العام الحالي مع LinkedIn وحتى Discord.

بدأت LinkedIn بعرض ملخص سنوي لمستخدميها مثل سبوتيفاي وآبل

حتى المنصات المهنية مثل LinkedIn بدأت بعرض ملخص العام لمستخدميها. فهي طوال سنوات كانت تتعقب:

  • كل ملف شخصي تزوره.
  • مدة بقائك على صفحة إعلان وظيفة.
  • من تتواصل معه ومن تتجاهله.
  • الكلمات المفتاحية التي تبحث عنها.

رغم أنهم قد يسوقون ذلك تحت مسميات مثل “مراجعة سنوية” أو “ظهور في نتائج البحث”، إلا أن الآلية واحدة. تقوم الشركات مثل LinkedIn و Glassdoor وغيرها بجمع كميات هائلة من البيانات حول سلوكياتك المهنية، مما يُنشئ ملفًا رقميًا يُمكن استخدامه للتنبؤ بمسارك الوظيفي، أو استهدافك بإعلانات B2B، أو بيع هذه المعلومات لشركات التوظيف الأخرى بشكل مباشر.

المخاطر الأمنية لـ “التوأم الرقمي”: يكمن الخطر في تجميع البيانات بحد ذاته. فعندما تعرف سبوتيفاي حالتك النفسية، ويعرف لينكدإن مخاوفك ومقوماتك المهنية، ويعرف أمازون سجل مشترياتك، ويعرف ديسكورد ما تلعبه من ألعاب الفيديو ومع من تتواصل، يصبح لديك نسخة رقمية مُخزّنة في السحابة لا تعلم عنها شيئًا.

لا تُستخدم هذه البيانات لمجرد ملخصات ترفيهية، بل تُستخدم لتدريب خوارزميات التوصية المُصممة لإبقائك مدمنًا على الشاشة أو لموديلات تغذية الذكاء الإصطناعي. علاوة على ذلك، تصبح قواعد البيانات الضخمة اللازمة لإنشاء هذه الملخصات أهدافًا رئيسية للمخترقين، أو حتّى مُنظّمات وحكومات بعينها!

فكلما جمعوا المزيد من البيانات “ليعرفوك”، زادت المخاطر التي قد تتعرض لها إذا ما شكلت هذه البيانات خريطة تفصيلية لحياتك.

لا تتعامل مع الأمر ببساطة!

تعكس جميع ملخصات نهاية العام من المنصات المختلفة شيئًا واحدًا لا يجب أن نغفل عنه، وهو قدر المعلومات التي تجمعها عنك جميع الشركات التقنية مهما اختلفت مجالاتها. وعرضها لك في ملخص سنوي ما هو إلا حيلة تسويقية لجعلك متقبل الأمر بشكل أو بآخر. بدايةً من شركات الألعاب، إلى الترفيه، والموسيقى وغيرها. تجمع عنك تلك الشركات بحرًا لا نهاية له من البيانات، وتعرفك جيدًا أكثر من معرفتك أنت لنفسك، لأغراض ربحية -وربما سياسية- بحتة.

ولكن في نفس الوقت، تُعد ملخصات نهاية العام إنجازًا رائعًا في علم البيانات والتصميم الجرافيكي. لا بأس بالاستمتاع بها، والضحك على ولعك بأغنية معينة، أو مشاركة إحصائياتك مع الأصدقاء هنا وهناك.

لكن، بينما تتصفح مُلخّصك الملون، تذكر العملية التي تجري. أنت لست العميل الذي يتلقى هدية، بل أنت مصدر البيانات التي يتم استخراجها. الملخص الذي يُعرض لك ليس سوى إيصال دفع مُسبق لما هو قادم.