اخر الاخبار

اللجنة الإدارية في غزة: لا ترفعوا سقف التوقّعات في زمنٍ محدود الخيارات .. المستشار د. أحمد يوسف

في أعقاب حرب الإبادة التي عصفت بقطاع غزة، ومع اتساع رقعة النزوح وانهيار البنى الخدمية والمؤسسية، تبرز اللجنة الإدارية في غزة بوصفها محاولة لإدارة الضرورة تحت سقف سياسي منخفض، في زمنٍ لا يحتمل الأوهام ولا يملك ترف البدائل. غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود اللجنة بحدّ ذاته، بل في المبالغة بتوقعاتها، أو التعامل معها وكأنها بوابة خلاص، أو بديل سياسي مكتمل الصلاحيات. فغزة اليوم ليست في بحبوحة من الخيارات، ولا تحتمل ترف القفز فوق الوقائع القاسية التي فرضتها موازين القوة.
القراءة الواقعية تقتضي الاعتراف بأن اللجنة الإدارية ليست حكومة إنقاذ، ولا سلطة سيادية، ولا جسمًا منتخبًا يُعبّر عن إرادة جامعة. هي، في أفضل الأحوال، صيغة اضطرارية لإدارة الحد الأدنى من شؤون الحياة، ضمن هامش ضيق، وبموافقة – أو على الأقل عدم اعتراض – أطراف دولية فاعلة، في مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذه الحقيقة، مهما كانت قاسية، لا يجوز تجاهلها أو تزيينها بخطاب عاطفي يحمّل اللجنة ما لا تملك.
الرهان على اللجنة بوصفها أداة لإعادة الإعمار الشامل، أو لحسم مستقبل غزة السياسي، هو رهان غير واقعي. فوظيفتها المتوقعة – إن سُمِح لها بالعمل – تنحصر في تخفيف بعض الأعباء اليومية عن الناس: تنظيم ملفات إغاثية، إدارة جزئية لشؤون النزوح، محاولة تشغيل خدمات أساسية، والتعامل مع واقع الاحتلال بأقل قدر من الاحتكاك. حتى هذا الدور المحدود سيظل مشروطًا باعتبارات أمنية وسياسية خارجية، ومراقَبًا بدقة من أكثر من جهة.
ثمّة حديث متزايد في الكواليس عن وصاية أمريكية غير معلنة، أو “مندوب سامٍ” بمرجعية دولية، يضع سقف الحركة ويضبط الإيقاع. الإدارة الأمريكية تكثر من التصريحات، لكنها متناقضة ومتبدلة، ولا يمكن بناء تحليل جاد عليها. ما يُقال للإعلام لا يعكس بالضرورة ما يُخطط في الغرف المغلقة، وما يُسوّق بوصفه “حلولًا انتقالية” قد يخفي أجندات أعمق تتعلق بإعادة تشكيل المشهد في غزة، سياسيًا وأمنيًا، على المدى المتوسط.
من هنا، فإن التعاطي مع اللجنة الإدارية يجب أن يكون عقلانيًا ومتوازنًا: لا شيطنة مُسبقة تُغلق أي نافذة لتخفيف المعاناة، ولا تهليل يُحوّلها إلى عنوان خلاص. تحميلها مسؤولية ما لا تملك سيؤدي إلى خيبة جديدة، تمامًا كما أن تجاهل قيودها سيقود إلى قراءة مضللة للواقع. اللجنة، في جوهرها، تعبير عن لحظة انسداد سياسي، ومحاولة لإدارة الفراغ بأقل الخسائر، لا أكثر.
الأيام القادمة كفيلة بكشف حدود الحركة وفرص النجاح والفشل. ستتضح قدرة اللجنة على العمل، أو عجزها، وستظهر طبيعة العلاقة بينها وبين القوى الخارجية، وستُختبر النوايا على أرض الواقع. عندها فقط يمكن إطلاق الأحكام. أمّا الاستعجال، أو رفع السقوف، أو تحويل اللجنة إلى ساحة صراع سياسي وإعلامي، فلن يخدم الناس الذين يواجهون الجوع والبرد والمرض، بل سيضاعف من إحباطهم.
الخلاصة أنّ غزة تحتاج اليوم إلى خطاب واقعي ومسؤول، يُخفّض سقف التوقعات، ويُقدّم الحقيقة كما هي، دون أوهام. اللجنة الإدارية – إن قُدّر لها أن تعمل – ليست أكثر من أداة محدودة في زمن شديد القسوة. الرهان الحقيقي يجب أن يبقى على صمود الناس، وتماسك المجتمع، ووحدة الموقف الفلسطيني، ووعي خطورة المرحلة. أمّا الهياكل المؤقتة، مهما كان اسمها، فلا ينبغي أن تُحمّل ما يتجاوز قدرتها، ولا أن تُقدَّم بوصفها بديلًا عن إرادة شعبٍ ما زال يدفع أثمانًا باهظة من أجل البقاء والكرامة.