اخبار فلسطين

حرب إيران الكبرى في مواجهة أميركا وإسرائيل

انطلقت من “البازار” موجة من المظاهرات في إيران لتعم أرجاء البلاد في أيام معدودة، بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار بنسبة 21% خلال شهر ديسمبر/كانون الأول المنصرم، وارتفاع نسبة التضخم خلال العام الماضي 2025 نحو 43%، حسب تقديرات البنك المركزي.

لكن هذه المظاهرات، سرعان ما تطورت مطالبها الاقتصادية إلى مطالب سياسية تمس وجود النظام السياسي في إيران، كما شهدت مظاهر عنف ضد المؤسسات العامة، واشتباكات مع رجال الأمن والشرطة الذين قُتل منهم نحو 109 حسب وكالة تسنيم الإيرانية حتى تاريخ 11 يناير/كانون الثاني الجاري، وأصيب أكثر من 270 حسب الجهات الرسمية.

في وقت أفادت فيه وكالة “أنباء نشطاء حقوق الإنسان” ومقرها الولايات المتحدة الأميركية بمقتل 116 إيرانيا، واعتقال أكثر من 2600 آخرين.

حصان طروادة وحب الشعب الإيراني

لم تكن هذه الموجة الأولى من الاحتجاجات التي تشهدها إيران في السنوات الأخيرة؛ فقد شهدت في سبتمبر/أيلول 2022، احتجاجات اجتماعية واسعة بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق بسبب الحجاب، واحتجاجات بشأن ارتفاع أسعار البنزين في 2019، وأخرى تتعلق بنقص المياه العذبة في عامي 2018 و2025.

لكنها هذه المرة تبدو مختلفة عن سابقاتها، فالمظاهرات أكثر تنظيما وأسرع انتشارا منذ انطلاقتها في 28 ديسمبر/كانون الأول المنصرم، وسقفها سرعان ما انتقل من المطالب المعيشية بسبب الأزمة الاقتصادية والحصار الأميركي، إلى نداءات تتعلق بالنظام السياسي في البلاد.

وهنا تقع نقطة خلاف بين المراقبين وداخل البيئة الإيرانية نفسها؛ بين من يرى المظاهرات مسألة طبيعية وحقا للشعب الإيراني الذي عانى خلال عقود من تراجع الوضع الاقتصادي، وتدهور سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، وفشل الحكومة في معالجة الإشكاليات الاقتصادية المتراكمة، وفي الخدمات العامة.

وبين من يرى أن الاحتجاجات المعيشية حق، ولكنها انحرفت عن مسارها السلمي ومطالب تحسين المعيشة والاقتصاد المعتل بسبب الحصار الأميركي، بدخول فئات محلية مدعومة من جهات خارجية لتحريض الشعب الإيراني ضد النظام والمطالبة بإسقاطه، والحجة في هذا الرأي:

أولا: عنف بعض المتظاهرين ضد رجال الأمن والشرطة والمؤسسات العامة؛ بهدف جر الجهات الرسمية لاستخدام القوة، لإخراج المشهد عن سلميته، وبالتالي استفزاز عموم الشعب الإيراني ضد النظام، وهذا ما تشير له أرقام الضحايا.

ثانيا: أن إسرائيل كانت من أهم المحرضين ضد النظام والداعمين لإسقاطه، وهو الهدف الذي سعت إليه رغم فشلها في حربها الأخيرة ضد إيران في يونيو/حزيران 2025.

وقد وجدت ضالتها في ركوب موجة الاحتجاجات الجارية لتحقيق أهدافها السياسية التي لم تتغير، حيث ناقش بنيامين نتنياهو في زيارته الأخيرة لواشنطن، نهاية ديسمبر/كانون الأول المنصرم، سيناريو ضربة عسكرية جديدة لطهران؛ لاستكمال تدمير مشروعها النووي، ومنظومة صواريخها الباليستية الفرط صوتية، والتي كان لها أثر بالغ في وقف الهجوم الإسرائيلي على إيران.

ثالثا: دور الولايات المتحدة الأميركية المباشر في تحريض المتظاهرين على المضي في احتجاجاتهم، رغم عنفها ضد النظام، لا سيما موقف الرئيس دونالد ترامب الذي قال؛ إيران تتطلع للحرية، وإن الولايات المتحدة مستعدة للمساعدة في هذا الصدد، كما هدد النظام الإيراني بقوله؛ إذا أطلقوا على المتظاهرين النار فسنطلق عليهم النار، “لقد أبلغتهم أنهم إذا بدؤوا بقتل الناس.. فسنضربهم بشدة”.

وهو ما يعد حصانة أميركية للمتظاهرين لرفع مستوى العنف والهجوم على النظام ومؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والشرطية.

يأتي هذا التحريض أو التدخل في الشؤون الإيرانية في ظل ما قامت به واشنطن فعليا بانتهاكها سيادة فنزويلا وخطفها الرئيس نيكولاس مادورو، لوضع يدها على النفط والقرار السياسي، ما جعل تهديد ترامب أكثر جدية من أي وقت مضى.

تلك المواقف دفعت المسؤولين الإيرانيين، والجيش الإيراني، وأمين عام مجلس الأمن القومي، لاتهام إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية بالمسؤولية عن تحريض المتظاهرين لأسباب سياسية، بعد أن كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يرد أسباب التظاهر لأسباب اقتصادية ومعيشية في الأيام الأولى، بعيدا عن واشنطن.

إذًا أصبح مبررا التشكيك في سلوك وأهداف فئات من المتظاهرين الذين تبنوا العنف ضد النظام ومؤسسات الدولة، وتعليق الأمر على تدخلات خارجية توصف بأنها معادية لإيران ومصالح الشعب الإيراني.

فالولايات المتحدة الأميركية انتقائية في مواقفها وقد تجاوزت معايير القانون الدولي، مقارنة بدعمها اللامحدود لإسرائيل في إبادتها الجماعية للفلسطينيين في غزة، ومقارنة بانتهاكها سيادة فنزويلا واعتقالها الرئيس مادورو والتدخل في شؤون البلد الداخلية سياسيا واقتصاديا، وتلويحها بالسيطرة على جزيرة غرينلاند الدانماركية بالقوة العسكرية.

الإدارة الأميركية بجنوحها، والاحتلال الإسرائيلي بغطرسته، يشيران إلى أن مواقفهما من الاحتجاجات في إيران سياسية بامتياز؛ ليست حبا في الشعب الإيراني ولكن كرها في النظام وسياساته الخارجة عن النسق الأميركي والصهيوني، بغض النظر عن فكرة حقوق الإنسان والحريات العامة، ويستخدمان المطالب الإصلاحية والمعيشية المحقة للشعب الإيراني، كحصان طروادة لاختراق الحالة الإيرانية وتسييرها وفقا لمصالحهما ومصالحهما فقط.

الحرب الاستباقية.. من يضرب أولا؟

منذ أن توقف العدوان الإسرائيلي على إيران، بعد حرب الـ 12 يوما في يونيو/حزيران 2025، لم يغب عن المشهد سيناريو اندلاع الحرب مجددا ضد إيران بمبادرة إسرائيلية وبشراكة أميركية؛ لاستكمال تدمير المشروع النووي الإيراني ومنظومة الصواريخ الباليستية.

إسرائيل ترى أنها لم تحسم معركتها مع إيران، ولم تكسب ميزان الردع، وأن بقاء النظام الإيراني وشروعه في ترميم ما دمرته الحرب، يشكلان تهديدا متجددا لإسرائيل، ويخلان بميزان تفوقها الساحق في المنطقة، ويعيقان تطلعها لإعادة رسم الشرق الأوسط، بالإضافة إلى خلافاتها مع تركيا ودول المنطقة الرافضة الهيمنة الإسرائيلية.

ناهيك عن أن إيران لم تتخل عن دعم حزب الله في لبنان، الذي تتهمه إسرائيل بترميم قوته العسكرية، وتخشى استعادة قوته، ما يشكل فشلا ذريعا لها ولليمين المتطرف وبنيامين نتنياهو، الساعي للقضاء على خصوم الاحتلال الإسرائيلي بلا رجعة.

في هذا السياق، تعاملت إسرائيل مع المظاهرات في إيران كفرصة لا بد من استثمارها للقضاء على النظام داخليا، ما يعفيها من تكاليف الحرب على إيران، ولذلك هي معنية بصب الزيت على النار حتى تؤتي أكلها.

هنا يظهر استشعار إيران خطر هذا المسار وتهديده الإستراتيجي لها؛ فإذا كانت طهران قبل التظاهرات تخشى من ضربة إسرائيلية مباغتة وتتحضر لها بجدية، ما حدا بإسرائيل أن ترسل لها رسالة طمأنة عبر موسكو؛ خشية أن تقوم بضربة استباقية لإسرائيل، فكيف لطهران أن تتصرف حيال المظاهرات وسعي أميركا وإسرائيل لإسقاط نظامها؟

في هذا السياق، يتوقع أن تذهب إيران لمعالجة هذا الأمر عبر مسارات، منها:

أولا: المعالجة الاقتصادية والأمنية للمظاهرات، بقمع الفئات العنيفة التي تهاجم الشرطة والمؤسسات العامة وتحييدها عن نسق التظاهرات السلمية التي تعِدها الحكومة الإيرانية بإصلاحات جادة للتضخم والاقتصاد والخدمات العامة.

وهذا ما يتحدث عنه بشكل أساس الرئيس الإيراني بزشكيان، لتهدئة الخواطر، ووقف الاحتجاجات.

ثانيا: الجهوزية لأي تدخل عسكري خارجي من قبل واشنطن أو تل أبيب أو كلتيهما معا، خشية أن تتدخل واشنطن بذريعة دعم المتظاهرين و”حمايتهم”، كما توعد الرئيس ترامب، أو خشية أن تقوم إسرائيل بدعم أميركي بضرب المناطق الحساسة في إيران، بهدف تدمير ما تبقى من المشروع النووي والمنظومات الصاروخية، والتوطئة لانهيار النظام الإيراني، وإعادة تشكيله وفق معايير أميركية، تُبعد إيران عن تحالفها مع روسيا، والصين، وتحيّدها عن دعم حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، وأنصار الله في اليمن.

إذا استطاعت طهران أن تطفئ نار المظاهرات في وقت قريب، وتعيد المشهد إلى سابق عهده مع حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، فهذا سيفوت الفرصة على واشنطن وتل أبيب.

إما إذا استمرت المظاهرات، وتعاظمت، وبدأت تهدد النظام أو تمهد الطريق لتدخل عسكري خارجي وفق التقديرات الإيرانية، فمن غير المستبعد أن تلجأ إيران لضربة استباقية لإسرائيل، تهرب بها إلى الأمام، وتطفئ بنارها نار التظاهرات والاحتجاجات الداخلية، وتخلط الأوراق مجددا، في سياق إعادة رسم معادلات القوة والردع المتبادل.

وفي هذا السياق قال أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني؛ “إسرائيل هي المسؤولة عن الوضع الحالي، وأن بلاده في خضم حرب، فلا سلام ولا وقف لإطلاق النار”.

في وقت أكد فيه الحرس الثوري الإيراني أن “حماية إنجازات الثورة وأمن البلاد خط أحمر”، ما يضع إسرائيل عمليا في عين الأهداف الإيرانية، في ظل ما تتحدث عنه وسائل إعلام أميركية ومسؤولون في البيت الأبيض؛ من أن الرئيس ترامب يدرس بجدية إصدار تفويض بشن هجوم على إيران.