تكنولوجيا

لقد استهلكت 100% | الإنترنت المحدود في مصر.. هل نحن عالقون في 2007؟

أنت تعرف هذا الشعور جيداً. إنه اليوم العشرون من الشهر، وربما الخامس عشر إذا كنت سيئ الحظ أو من هواة المشاهدة بدقة 4K. تهتز شاشة هاتفك لتعلن عن وصول الرسالة المشؤومة:

لقد استهلكت 100% من باقة الإنترنت الخاصة بك.

في تلك اللحظة، يتحول العالم الرقمي الفسيح من طريق سريع للمعلومات إلى ممر ضيق ومظلم بسرعة 256 كيلوبت في الثانية، وهي سرعة لا تكفي حتى لفتح تطبيق واتساب بسلام، ناهيك عن ممارسة العمل أو الدراسة.

هذه ليست مجرد تجربة فردية؛ إنها حالة جماعية يعيشها ملايين المستخدمين في مصر. وبينما يتحدث العالم في تقارير Global Broadband 2025 عن توسع خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية (Starlink) وانتشار تقنيات الـ 5G FWA في المناطق النائية، ما زلنا نحن هنا نتجادل حول الجيجات المتبقية وسياسة الاستخدام العادل التي تبدو وكأنها عقاب جماعي لا ينتهي.

في هذا التحقيق، نغوص في عمق كابوس الكوتة. لماذا تصر شركات الاتصالات في مصر على نظام الباقات المحدودة؟ هل المشكلة في الأسلاك النحاسية المتهالكة كما يدعون، أم أنها معادلة ربحية بحتة؟ وما حقيقة ما يتردد عن أن الإنترنت غير المحدود متاح بضغطة زر لكن القرار غائب؟

الفصل الأول: كيف بدأ الحصار؟.. رحلة البحث عن اللامحدودية

لفهم الحاضر، يجب أن نعود للوراء قليلاً. قد يتفاجأ الجيل الجديد (Gen Z) إذا علم أن مصر عرفت الإنترنت غير المحدود فعلياً في بدايات الألفية.

بحسب تقارير التتبع التاريخي لقطاع الاتصالات، كانت الفترة ما بين 2004 و2006 العصر الذهبي للـ ADSL، حيث كانت السرعات بطيئة (256 أو 512 كيلوبت) لكنها كانت مفتوحة. كنت تستطيع التحميل ليلاً ونهاراً دون أن يطاردك عداد الاستهلاك.

لكن، فإن نقطة التحول الدرامية بدأت في 2007. في ذلك العام، بدأت شركات الاتصالات، وعلى رأسها المشغل المسيطر، في تقديم ما سمي بـ “سياسة الاستخدام العادل” (Fair Usage Policy – FUP) كنموذج تجاري لإدارة الموارد. كانت الحجة حينها توزيع السرعة بعدالة ومنع من يقومون ببيع الوصلات غير الشرعية من استنزاف البنية التحتية.

تحول الأمر رسمياً إلى أمر واقع في 2015، خلال عهد الوزير خالد نجم، حينما تم إلغاء سرعات الـ 512 كيلوبت وتغيير معادلة الاستخدام العادل. ورغم أن العنوان كان تحسين السرعات، إلا أن النتيجة كانت وضع سقف خرساني لا يمكن اختراقه إلا بدفع المزيد من الأموال. ومنذ ذلك الحين، ونحن ندور في حلقة مفرغة: تزيد السرعات (VDSL ثم Fiber)، ولكن الكوتة تظل كما هي أو تزيد بنسب لا تتناسب مع ضخامة حجم المحتوى الحديث.

الفصل الثاني: البنية التحتية.. الشماعة الأبدية

السنترالات لا تتحمل.. الأسلاك نحاسية.. نحن في مرحلة إحلال وتجديد.

هذه هي الردود الجاهزة التي يسمعها المواطن المصري منذ عقد كامل كلما طالب بإنترنت غير محدود. ولكن، هل هذه الحقيقة كاملة؟

تشير البيانات الواردة وتصريحات النائبة مها عبد الناصر، وكيل لجنة الاتصالات بمجلس النواب، إلى مفارقة غريبة. هناك اعتراف رسمي بأن “الخطوط النحاسية القديمة لا تتحمل السرعات العالية”، ومع ذلك، يتم بيع باقات بسرعات تصل إلى 30 و70 ميجابت لمواطنين بنيتهم التحتية لا تستوعب أكثر من 5 ميجابت.

المشكلة هنا مزدوجة:

  • دفع مقابل وهم: المواطن يدفع ثمن سرعة لا تصله، وإذا وصلته، فإنها تلتهم الباقة المحدودة في أيام معدودة لأن أنظمة القياس تحتسب السرعة القصوى.
  • أزمة الفايبر: رغم الحديث المستمر عن التحول للألياف الضوئية (FTTH)، إلا أن تقارير (Global Broadband Subscribers Q2 2025) تظهر أن العالم يتجه بسرعات خرافية نحو الألياف الضوئية الكاملة والإنترنت الفضائي، بينما ما زال جزء كبير من الشبكة المصرية يعتمد على تقنية (FTTC) أي الفايبر حتى الكابينة فقط، والباقي نحاس حتى المنزل.

المثير للدهشة هو الانقطاعات الأخيرة التي بررتها الشركة بـ “تحديث الأنظمة“. هذه التحديثات المستمرة التي تسبب شللاً في الخدمة تثير تساؤلات عِدة:

هل يتم التحديث لزيادة السعة الاستيعابية، أم لتطوير أنظمة الفلترة والمراقبة وحساب الاستهلاك بدقة أكبر لضمان عدم تسرب أي ميجابايت مجاني؟

الفصل الثالث: اقتصاديات الجيجا.. لماذا يُعد النظام المحدود منجم ذهب؟

لنكن صرحاء بلغة الأرقام، بعيداً عن اللغة التقنية المعقدة. الإنترنت المحدود هو النموذج الأكثر ربحية لشركات الاتصالات، وهو ما يفسر التمسك المستميت به.

وفقاً للبيانات المالية للشركة، حققت المصرية للاتصالات صافي ربح بلغ 17 مليار جنيه خلال 9 أشهر فقط في عام 2025. هذا النمو المالي الاستثنائي كما وصفه التقرير، مدفوع بشكل رئيسي بقطاع البيانات (Data).

كيف تعمل الآلة الربحية؟

هناك أسباب اقتصادية حقيقية خلف الكواليس لهذه الأرباح -الاستثنائية.

  • الإجبار على التجديد: النظام المحدود يجبر المستخدم على شراء باقات إضافية بأسعار مرتفعة. الباقة الأساسية هي مجرد طعم، والربح الحقيقي يأتي من الشحن المتكرر في النصف الثاني من الشهر.
  • الاحتكار: تسيطر شركة واحدة (تيليكوم إيجيبت) على الكابلات الدولية والبوابة الرئيسية للإنترنت في مصر. هذا الوضع الاحتكاري يجعل المنافسة بين الشركات الأخرى (فودافون، أورانج، اتصالات) منافسة صورية في الأسعار، لأنهم جميعاً مستأجرون للبنية التحتية من نفس المصدر وبنفس الشروط.

  • غياب البديل: في أسواق أخرى، عند غياب الجودة يلجأ المستخدم لخدمات مثل Starlink أو منافسين محليين ببنية تحتية مستقلة. في مصر، هذا غير متاح قانونياً أو تقنياً.

الفصل الرابع: هل العالم كله مثلنا؟.. مقارنة مؤلمة

إحدى أشهر الحجج التي تساق للدفاع عن النظام المحدود هي: “العالم كله يطبق سياسة الاستخدام العادل”. فهل هذا صحيح؟

بالعودة للتقارير، نكتشف زيف هذه الحجة:

  • جنوب أفريقيا: توفر باقات إنترنت منزلي غير محدود حقيقي (True Uncapped) بأسعار تنافسية.
  • كينيا: رغم التحديات الاقتصادية، هناك خيارات واسعة للإنترنت غير المحدود.
  • عالمياً: تتجه الدول المتقدمة لإلغاء فكرة الكوتة تماماً في الإنترنت الأرضي، واعتبارها ممارسة من الماضي. سياسة الاستخدام العادل هناك تطبق في حالات نادرة جداً وفقط عند الوصول لأرقام فلكية (تتجاوز التيرابايتات) تؤثر فعلياً على الشبكة، وليس عند استهلاك 140 جيجابايت!

حتى تقرير (Digital 2026 – Egypt) يوضح أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر ضخم جداً ونسبة الاعتماد عليه في تزايد (تطبيقات مثل Threads وفيسبوك تستهلك بيانات مهولة)، ومع ذلك، لا تزال الباقات مصممة بعقلية عام 2010.

الفصل الخامس: زرار المهندسين.. هل الحل تقني أم سياسي؟

هنا نصل للجزء الأخطر في التحقيق. هل تحويل الإنترنت في مصر إلى غير محدود يحتاج إلى معجزة تقنية؟ أم حفر في كل شوارع مصر؟

الإجابة قد تكون صادمة. فإن المسألة أقرب لقرار إداري منها لعائق تقني.

البروفايلات (Throttling Profiles): الأجهزة الموجودة في السنترالات (MSANs) مبرمجة برمجياً لتخفيض السرعة عند حد معين. إلغاء هذا الشرط البرمجي هو ضغطة زر أو تعديل في الـ Configuration.

بروتوكول IPv6: أحد الحلول التقنية لتخفيف الضغط وتوفير عناوين (IPs) كافية لعدد غير محدود من الاتصالات هو التبني الكامل لبروتوكول IPv6، وهو أمر تأخرت فيه مصر كثيراً مقارنة بالدول الأخرى. ولكن؛ يُذكر أن هُناك خطة حكومية للوصول إلى 80% اعتماد بحلول 2030.

المعوقات الحقيقية هي مزيج من:

الخوف من انهيار الشبكة: هناك قلق حقيقي لدى الإدارة الهندسية من أن فتح السرعات والسعات سيؤدي لضغط مفاجئ يوقع الشبكة بالكامل، نظراً لأن الـ Backhaul (الشبكة الخلفية) لم يتم تحديثها بنفس وتيرة تحديث الكبائن.

الجانب الأمني والرقابي: الحدود على البيانات تسهل عملية السيطرة على تدفق المعلومات ومراقبة حركة المرور (Traffic)، وهو بُعد لا يمكن إغفاله في دولة تحجب مئات المواقع منذ 2017 لأسباب أمنية وسياسية.

الفصل السادس: حراك السوشيال ميديا.. صرخات في وادٍ رقمي

لا يمكن الحديث عن الإنترنت في مصر دون ذكر ثورة الهاشتاجات

منذ 2014، ومع حملة ثورة الإنترنت، وحتى ترند #انترنت_غير_محدود_في_مصر الذي يتجدد سنوياً، يحاول الشباب المصريون إيصال صوتهم.

الملفت للنظر هو دورة حياة هذه الاحتجاجات:

  • غضب شعبي عارم بسبب سوء الخدمة أو نفاد الباقة.
  • تصدر الترند وتغطية إعلامية محدودة.
  • تصريحات من المسؤولين بـ دراسة الأمر أو تحسين الخدمة قريباً.
  • هدوء العاصفة دون تغيير جذري في سياسة الكوتة، وربما تقديم مسكنات مثل زيادة طفيفة في سعة الباقة مع رفع السعر.

هذا السيناريو المتكرر خلق حالة من اليأس المكتسب لدى المستخدم المصري، الذي أصبح يرى أن الإنترنت المحدود قدر لا مفر منه.

هل نرى النور في 2026؟

بناءً على المعطيات الحالية في تقرير (Digital 2026)، ومع تزايد اعتماد الدولة على التحول الرقمي، والتعليم عن بُعد، والخدمات الحكومية الرقمية، أصبح الإنترنت المحدود عائقاً للتنمية وليس مجرد مشكلة ترفيهية.

لا يمكن لدولة تطمح لتصدير العقار والخدمات التكنولوجية أن تطلب من المستثمر أو المبرمج أو الطالب أن يراقب عداد استهلاكه بقلق.

الحل، يكمن في خطة ثلاثية:

  • تحرير البنية التحتية: السماح لشركات أخرى بمد كابلات الفايبر الخاصة بها لكسر الاحتكار.
  • الشفافية: إعلان خطة زمنية واضحة للتحول للإنترنت غير المحدود، حتى لو كان ذلك تدريجياً وبأسعار عادلة.
  • التخلي عن جباية البيانات: التعامل مع الإنترنت كحق ومرفق عام (مثل المياه والكهرباء) وليس كسلعة ترفيهية فاخرة.

إلى أن يحدث ذلك، سيبقى المصريون يطاردون شبح الجيجات المتبقية، وسيبقى السؤال معلقاً: متى نخرج من عنق الزجاجة الرقمي؟