صناعة الطيران الأميركية تعاني من انكشاف مزدوج.. ما القصة؟

تتصاعد تداعيات الحرب الإيرانية، لتلقي بظلالها على أسواق الطاقة العالمية، مع وقوف وقود الطائرات في قلب هذه الأزمة. يؤدي اضطراب الإمدادات واحتمالية إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في تكلفة الوقود النفاث، مما يضع شركات الطيران أمام تحديات تضخمية كبيرة في ظل هوامش ربح ضيقة.
تكشف هذه الصدمة الطاقوية عن هشاشة هيكلية في صناعة الطيران الأميركية، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار أسعار الوقود. تضطر الشركات للاختيار بين تمرير التكاليف للمسافرين أو تحمل خسائر متزايدة، وسط منافسة شديدة وتباطؤ في وتيرة الطلب.
## تداعيات حرب إيران على وقود الطائرات وصناعة الطيران
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة فايننشال تايمز إلى تحذيرات رئيس شركة دلتا إيرلاينز، إد باستيان، بشأن ضرورة تحسن شركات الطيران الأمريكية لتجنب خطر الإقصاء، وذلك في ظل ارتفاع أسعار وقود الطائرات الناجم عن أزمة الشرق الأوسط. يتوقع باستيان حدوث “ترشيد” في القطاع قبل نهاية العام، مشيراً إلى ضيق الوقت المتاح للاستجابة.
تظهر هذه التوترات بوضوح في محنة شركة “سبيريت إيرلاينز”، وهي شركة طيران منخفضة التكلفة أفلست مرتين في عامين، مما ألجأ الإدارة الأمريكية إلى دراسة شرائها. تلقي هذه الحادثة الضوء على الاتجاهات المقلقة في قطاع الطيران التي تعود إلى فترة الوباء، وتتفقم الآن بسبب صدمة أسعار الوقود.
وسط هذه التحديات، تتصدر شركات مثل دلتا ويونايتد إيرلاينز مشهد الطلب المرتفع من المسافرين المميزين ورجال الأعمال، بينما تعاني شركات الطيران منخفضة التكلفة. يثير هذا الوضع تساؤلات حول مستقبل نموذج الطيران الأمريكي المحرر.
مواجهة الصدمات الجيوسياسية
من برلين، يوضح خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، أن الحرب الأخيرة والتوترات المتصاعدة في مضيق هرمز كشفت عن تأثر الأمن الجوي الأمريكي باضطرابات الشرق الأوسط، نظراً لهشاشة مخزونات الطوارئ والاعتماد على تدفقات النفط العالمية.
سجلت أسعار وقود الطائرات في الولايات المتحدة مستويات قياسية منذ اندلاع الحرب، بينما تضاعفت الأسعار في آسيا، مما انعكس بشكل مباشر على المطارات الأمريكية، خاصة في الساحل الغربي الذي يعتمد على الوقود المستورد.
رغم كون الولايات المتحدة منتجًا كبيرًا للنفط، إلا أن مصافيها، خاصة في الساحل الشرقي، تعتمد على مزيج من الخام العالمي الذي تأثر بتعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.
نقاط ضعف هيكلية
يشير الخفاجي إلى أن الأزمة كشفت عن غياب احتياطي استراتيجي مخصص لوقود الطائرات، على غرار الاحتياطي النفطي الخام، مما جعل المطارات الأمريكية تعتمد على مخزونات محدودة. أدى إغلاق بعض الأجواء الجوية وإعادة توجيه الرحلات إلى زيادة استهلاك الوقود.
ويؤكد الخفاجي أن هذا الوضع يمثل اختباراً قاسياً لقدرة قطاع الطيران الأمريكي على الصمود، خاصة أنه دخل الأزمة بمخزونات هي الأدنى منذ ثلاثة عقود. وتؤكد الأزمة على “انكشاف مزدوج” للقطاع، يتمثل في ضعف داخلي ناجم عن تراجع قدرات التكرير، وارتهان خارجي للممرات المائية في الشرق الأوسط.
تحذيرات من نقص الوقود
تنقل شبكة “سي بي إس نيوز” تحذيرات رئيس شركة شيفرون، مايك ويرث، من تفاقم الضغط على صناعة الطيران في الأسابيع المقبلة بسبب انخفاض إمدادات وقود الطائرات. يشير ويرث إلى أن وقود الطائرات كان عند مستويات منخفضة موسمياً قبل الصراع، مما جعل الأسواق عرضة لصدمات العرض.
“لا تسير الأمور على ما يرام اليوم. لذا، نشهد نقصاً حاداً في وقود الطائرات في أوروبا وآسيا، ونرى شركات الطيران تعلن عن تعديلات في جداول رحلاتها”، بحسب ويرث. يتوقع أن “قطاع الطيران هو بلا شك من القطاعات التي من المرجح أن تسوء فيها الأوضاع خلال الأسابيع القليلة المقبلة.”
تداعيات اقتصادية عامة
من لندن، يؤكد الخبير الاقتصادي، أنور القاسم، أن أزمة الطاقة العالمية تؤثر على الاقتصاد الدولي ككل. يؤثر نقص وقود الطائرات بشكل مباشر على الدول الآسيوية، ثم قد يمتد إلى أوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، مما قد يؤدي إلى إلغاء رحلات جوية.
ينعكس هذا الوضع سلباً على قطاعي السفر والطيران، وبالتالي على قطاع السياحة الذي تعتمد عليه العديد من الدول كمصدر رئيسي للعملة الصعبة. وقد بدأت شركات الطيران منخفضة التكلفة بالفعل في إلغاء رحلاتها بسبب ارتفاع أسعار الوقود.
يؤكد القاسم على أهمية بناء احتياطيات استراتيجية من وقود الطائرات لدى شركات الطيران، على غرار احتياطيات النفط والغاز، لتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات. في حال استمرار أسعار وقود الطائرات عند مستوياتها المرتفعة، ستضطر شركات الطيران العالمية لاتخاذ تدابير تعديلية إضافية.
