مقالات

كيف تفهم مشاعرك من دون أن تضيّع نفسك في دوامة الانفعالات؟

تبدو المشاعر جزءاً طبيعياً من التجربة الإنسانية، لكنها في كثير من الأحيان تتحوّل إلى لغز معقد يصعب فك شفرته، فكم مرة شعرت بالغضب من دون أن تعرف لماذا؟ أو بالحزن من دون أن تتمكّن من تفسيره؟ فهم المشاعر ليس ترفاً فكرياً، بل مهارة نفسية ضرورية للحياة الصحية والمتوازنة، فهي التي تقود قراراتنا وعلاقاتنا وسلوكياتنا اليومية، ومع ذلك، غالباً ما يختلط الأمر على الكثيرين بين فهم مشاعرهم وبين الانغماس الكامل فيها، بحيث يفقدون السيطرة على أنفسهم أو هويتهم.
في السطور التالية، نستعرض خطوات نفسية مدعومة بالعلم؛ تساعدك على فهم مشاعرك من دون أن تضيع نفسك في دوّامة اللاوعي والانفعالات العمياء.

إعداد: هاجر حاتم

الوعي أولاً: أنصت لجسدك قبل أن تُسمّي شعورك

الوعي أولاً: أنصت لجسدك قبل أن تُسمّي شعورك- مصدر الصورة موقع Freepik

من البديهي أن المشاعر تظهر في العقل، لكن العلم يوضّح أنها تبدأ في الجسد قبل أن يدركها الذهن.
علامات جسدية بسيطة مثل خفقان القلب، توتر العضلات، أو “فراشات المعدة” ليست مجرد إحساس عابر، بل إشارة واضحة إلى مشاعرك.
عندما تستمع إلى هذه الإشارات وتلاحظها بعين واعية، فإنك تفكِّر فيما يحدث لك من دون تصرّف تلقائي، وهذا التوجّه نحو الجسد يساعدك على أن تتعرّف إلى شعورك قبل أن تتفاعل معه بقوة أو تتجاهله. وبمعنى آخر، فإن المواجهة الهادئة للجسد تمنحك فرصة التوقف قبل رد الفعل.

تسمية المشاعر بدقة: من جيد وسيئ إلى محبط وقلق

واحدة من أهم المهارات في فهم الذات هي توسيع قاموسك العاطفي، فعندما تفصل بين المشاعر وتُسمّيها بدقة، مثل التمييز بين الغضب والاستياء، أو القلق والإحراج، فإنك:
تقلّل من قوة الشعور غير المحدّد، وتمنح العقل فرصة تحليل ما يحدث بدلاً من التفاعل الآلي، وتكتسب وعياً أعمق بما يثير هذه المشاعر فيك.
وبحسب الدراسات، مجرد تسمية المشاعر بشكل دقيق تُفَعِّل القشرة الأمامية في الدماغ (المسؤولة عن التفكير العقلاني) وتُهدِّئ الجزء العاطفي فيه (الأميغدالا)، مما يساعدك على معالجة المشاعر بوضوح أكبر، بحسب pubadmin.institute.

ربط المشاعر بالأحداث: متى ولماذا تشعر بهذه المشاعر؟

ربط المشاعر بالأحداث

ربط المشاعر بالأحداث 

المشاعر ليست أشياء تعمل بمعزل عن الحياة، بل هي ردود فعل لأحداث، أفكار، أو ذاكرات معينة.
ذلك يجعل فهم المشاعر ليس فقط في تحديدها، لكن ربطها بسياقها الحقيقي، على سبيل المثال:

  • ما الذي حدث قبل أن تشعر بهذا الشعور؟
  • هل هناك نمط مشترك في هذه الأحداث؟
  • هل شعورك اليومي يتغيّر حسب نومك، أفعالك، أو الأفكار التي تدور في ذهنك؟
  • بربط المشاعر بسياقاتها، تقلُّ قدرتها على السيطرة عليك، وتزداد قدرتك على إدارتها بذكاء.

التعبير عن أفكارك ومشاعرك بطريقة صحية: الكتابة والفن أدوات فعّالة

أحد أكثر الأساليب إثباتاً لتوضيح المشاعر هو التعبير عنها خارج الرأس.

  • الكتابة في دفتر يوميات؛ تتيح لك رؤية المشاعر بعيون خارجية، مثلما ترى مشهداً في فيلم.
  • الفن والموسيقى يساعدان الأشخاص الذين يجدون صعوبة في التعبير بالكلمات على إطلاق ما في دواخلهم.
  • مثل هذه الأساليب تعدّ متنفساً آمناً، وتساعد على “تفريغ” المشاعر للسماح لك بفهمها بدلاً من كبحها أو تجاهلها، بحسب psychcentral.

قد تتابعين أيضاً: أسباب الشعور بالضياع في العشرينيات

الوعي الذاتي: إدراك الذات وتقليل التشتّت النفسي

فهم مشاعرك بشكل مصيري مرتبط أيضاً بما يطلق عليه علماء النفس الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence)، والذكاء العاطفي يعني أن تكون قادراً على:

  • إدراك عواطفك بدقة، وفهم تأثيرها على قراراتك وسلوكياتك، وتنظيمها بطريقة تخدم أهدافك وقيمك.
  • وهذا النوع من الوعي يمنعك من أن تفقد ذاتك في دوّامة الشعور وحده، وعندما تعرف ما تشعر به ولماذا؛ يصبح لديك مجال لإدارة هذا الشعور بدلاً من أن يديرك.

ما رأيك في متابعة أقوى عبارات عن الثقة بالآخرين.. أساس العلاقات الناجحة

الاعتراف والتقبّل: ليس الهدف أن تتخلص من المشاعر

أغلبنا ينظر إلى المشاعر السلبية كعدو يجب التخلص منه، لكن الواقع النفسي يشير إلى شيء آخر؛ الاعتراف بالتجربة العاطفية وتقبّلها من دون الانغماس فيها.
وفهم مشاعرك لا يعني أن تكون أسيراً لها، بل أن تراها، تقرّ بها، وتفهمها، وعندما تتوقف عن مقاومة الشعور فقط لأنك “لا تريد أن تشعر به”، فإن هذا الاعتراف نفسه يُضعف سطوة المشاعر السلبية.

فهم مشاعرك ليس هروباً من ذاتك بل اكتشافٌ لها

فهم مشاعرك ليس هروباً من ذاتك بل اكتشافٌ لها- مصدر الصورة موقع Freepik

في النهاية، عليك أن تفهم أن المشاعر ليس مهارة عابرة، بل عملية نفسية متكاملة تتطلب وعياً وممارسة، وهي لا تجعلك خالياً من المشاعر، لكنها تجعلك قادراً على التعامل معها بحكمة، مما يقويك بدلاً من أن يضعفك، ويمنحك حرية أكبر في صنع قراراتك، وليس مجرد ردود أفعالك.
وفي عالم مليء بضغوط لا تنتهي وأصوات من الخارج تنادينا بالتحرك، يصبح فهم مشاعرنا من دون أن نضيع أنفسنا فيها فناً يحتاج تدريباً واهتماماً واعياً.
قد يعجبكِ متابعة ماجستير أم كورسات حرة؟ أيهما أكثر جدوى للشباب في 2026؟