فنون

مدير مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير: شجعنا سينما فلسطين لأنها شهادة على الواقع

أسدل الستار على الدورة الـ12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، بحفل ختام شهد إعلان جوائز مسابقات المهرجان المختلفة على مسرح سيد درويش. اتسمت الدورة بحضور لافت للأفلام الفلسطينية والعربية والمصرية، مما يعكس اهتمام المهرجان بتسليط الضوء على السينما من مختلف أنحاء العالم العربي.

في مسابقة الأفلام الوثائقية، نال الفيلم الفلسطيني “ذاكرة متقاطعة” للمخرجة شيماء عواودة جائزة هيباتيا الذهبية لأفضل فيلم. وتوج الفيلم اللبناني “كبّ القهوة خير” لإليو طريبة بالجائزة الذهبية في مسابقة الفيلم العربي، بينما حصل الفيلم السعودي “يوم سعيد” لمحمد الزوعري على الجائزة الفضية. كما أشادت لجنة التحكيم بالفيلم التونسي “المسمار” لرائد بوسريح.

دلالات الحضور الفلسطيني القوي

يؤكد الحضور القوي للأفلام الفلسطينية في مختلف أقسام المهرجان، بما في ذلك التكريمات ولجان التحكيم، على توجه برمجي واضح. ويرى المدير الفني للمهرجان، المخرج موني محمود، أن هذا الحضور ليس عفوياً، بل ينبع من إدراك دور السينما كـ “مساحة قادرة على نقل الحقيقة” و”شهادة حية على ما يجري في الواقع”، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

أفلام مثل “وهي السينما حبي” و”ذاكرة متقاطعة” و”كان من الممكن أن أكون أنا”، بالإضافة إلى تناول فيلم “البرتقالة المرة” للقضية الفلسطينية، توضح أن السينما تلعب دوراً يتجاوز كونها فناً لتصبح أداة لفهم الواقع وتقديم رواية بديلة لما يقدمه الإعلام.

ويضيف محمود أن المهرجانات يجب أن “تفتح مساحة أوسع لهذه الأصوات” وتمنح الجمهور فرصة “ليرى ويتفاعل ويعيد التفكير”. كان من المهم عرض هذه الأفلام لقيمتها الفنية، فضلاً عن ثقلها السياسي والإنساني وقدرتها على ملامسة هموم الجمهور العربي.

تكريم أحمد الدنف: مسيرة وعطاء

جاء تكريم المخرج الفلسطيني أحمد الدنف تقديراً لمسيرته الفنية المتواصلة، وليس لعمل واحد فحسب. على الرغم من أن فيلم “ضايل عنا عرض” الذي شارك في إخراجه يعد محطة هامة قدمت صورة إنسانية مؤثرة عن الحياة في غزة، إلا أن الدنف له بصمات أخرى منذ بداياته في العمل الصحفي المرئي.

يشير محمود إلى اهتمام الدنف المستمر بالأفلام القصيرة من قلب غزة، وقدرته على التقاط لحظات إنسانية فريدة في ظروف قاسية، مما يمنح أفلامه صدقاً وحساً بصرياً قريباً من الحدث. كما كان له دور كبير في مشروع “من المسافة صفر”، مما يعكس التزامه بالسينما القصيرة من داخل غزة.

التنوع والثيمات الجامعة في الاختيارات

لم تنطلق اختيارات هذا العام من ثيمة محددة، بل من هدف الوصول إلى الجمهور والتواصل معه. ومع ذلك، برز “خيط إنساني واضح” يربط بين العديد من الأفلام، نابع من تفاعل المهرجان مع القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية المعاصرة.

مع اتجاه الاختيارات نحو أعمال قريبة من واقع الجمهور وإحساسه بالعالم، تم الحرص على عدم غياب التنوع والتجريب. الهدف هو تقديم أفلام يمكن للجمهور التفاعل معها، مع الحفاظ على التجارب المختلفة والجريئة.

يتميز البرنامج بملامح عربية ومصرية حتى في المسابقات الدولية، مما يعكس هوية المهرجان وارتباطه بجمهوره. ويخلق حضور ضيوف ومخرجين من الخارج حالة تبادل ثقافي حقيقية، تسهم في توسيع آفاق البرنامج.

توازن بين القضايا اليومية والواقع السياسي

شهدت اختيارات الدورة الحالية حضوراً لقضايا إنسانية يومية مثل العلاقات الأسرية والتهميش والتنمر، بالتوازي مع قضايا سياسية أكبر. هذا التوازن لم يكن بالضرورة مقصوداً بشكل مباشر، بل تشكل طبيعياً أثناء عملية الاختيار، حيث يهدف المهرجان إلى خلق مساحة للنقاش.

يركز المهرجان على إعطاء كل فيلم فرصته، بغض النظر عن خلفية صانعه، لأن هذا التنوع يثري المشهد السينمائي. القضايا الإنسانية والمجتمعية، مهما بدت “كبيرة” أو “بسيطة”، تلامس حياة الناس اليومية وتفتح أبواباً للنقاش.

التنويع في نبرة وتأثير الأفلام ضروري ليحظى الجمهور بتجربة كاملة، لا تقتصر على نوع واحد من المشاعر أو القضايا. فالأفلام القوية، حتى لو كانت قصيرة، يمكن أن تترك أثراً حقيقياً في المتفرج.

جرأة المهرجان والرقابة

على الرغم من سمعة مهرجان الإسكندرية بتقديم أفلام جريئة، إلا أنه لم يحدث صدام حقيقي مع الرقابة خلال دوراته. في حالة سابقة، تم منع فيلم مؤقتاً ثم أجيز وعرض لاحقاً، دون أن تتطور المسألة إلى أزمة.

يُطبق المهرجان رقابة ذاتية في الاختيارات لتناسب طبيعة جمهوره، مع الحرص على التنويه بالتصنيفات العمرية (+16) أو (+18) لحماية المشاهدين الأصغر سناً. ورغم وجود اختلافات في وجهات النظر حول تصنيف بعض الأفلام، إلا أن ذلك يعتبر جزءاً طبيعياً من عملية العمل، والهدف المشترك هو تقديم تجربة مشاهدة مناسبة للجمهور.

خلق جسر بين الفيلم القصير والجمهور

يعتمد خلق جسر بين الفيلم القصير والجمهور على التعامل مع الجمهور كـ “شريك أساسي في التجربة”، ومنحه متعة حقيقية في قاعة العرض. هذا يبني علاقة ثقة تدفع الجمهور للعودة واكتشاف الفيلم القصير.

لم يتم “تبسيط” الفيلم القصير أو تفريغه من طموحه الفني، بل تم تقريب المسافة بينه وبين الناس من خلال الاختيارات وطريقة التقديم والتواصل. تهدف هذه المقاربة إلى فتح باب للجمهور لاكتشاف ما يمكن أن يحبه، حتى لو لم يكن معتاداً على هذا النوع من السينما.

وصف المهرجان بأنه “شعبي” يعني القرب من الناس، وليس التخلي عن تقديم أفلام مختلفة. هذا التوازن بين الشعبية والاختلاف يخلق مساحة حقيقية للاكتشاف والنقاش، ويمنح الفيلم القصير فرصة للعيش خارج الدائرة النخبوية الضيقة.

تطورات الدورة 12

شهدت الدورة الـ12 تطوراً على مستويين: المهرجان نفسه، والأفراد العاملون عليه. مع كل دورة تتراكم الخبرة والمعرفة، مما ينعكس على طريقة الاختيار والتفكير في البرمجة. على المستوى التنظيمي، هناك تطور لوجستي وإداري وفني، لكن التركيز الأساسي ينصب على جودة الأفلام المختارة.

من النقاط البارزة هذا العام هو التخلي عن شرط العرض الأول في المسابقة المصرية، استجابة لرغبة الجمهور في مشاهدة أفلام معينة حتى لو سبق عرضها في مصر. المعيار الجديد هو أن يكون العرض الأول للفيلم في مدينة الإسكندرية، مما يمنح مساحة أوسع للاختيار ويخلق توازناً بين تلبية اهتمامات الجمهور وتقديم تجربة مشاهدة جديدة.

التحديات التنظيمية

يتمثل أكبر التحديات التنظيمية في ضعف الدعم المالي، حيث يعتمد جزء كبير من العمل على الجهود الذاتية للموظفين والمتطوعين. رغم الدعم الحكومي، إلا أنه لا يغطي سوى جزء من الاحتياجات السنوية.

يعتمد المهرجان بشكل كبير على المتطوعين، مما يعكس حماساً كبيراً من الشباب، لكنه يتطلب جهداً إضافياً ويشكل تحدياً مستمراً للحفاظ على جودة التجربة المقدمة للجمهور.