اقتصاد

أزمة الرسوم الجمركية الأميركية تربك أسواق سندات الخزانة

الخزانة الأمريكية: حكم إلغاء الرسوم الجمركية يثير ضبابية اقتصادية ومالية

واشنطن – في تطور قد يحمل في طياته تداعيات اقتصادية ومالية أعمق من مجرد إلغاء رسوم جمركية، حكمت المحكمة العليا الأمريكية بإلغاء الرسوم التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب، وهو ما خلق حالة من الضبابية حول السياسة التجارية الأمريكية، الديون، ومستقبل الدولار. لم يتضمن الحكم أي تفاصيل واضحة بشأن رد المبالغ المستحصلة، مما يفتح الباب أمام عجز محتمل في الميزانية العامة يقدر بحوالي 170 مليار دولار.

أثار هذا القرار، بالإضافة إلى ردود الفعل الغاضبة التي تبعت فرض ترامب لرسوم بديلة، صدمة في أوروبا وزاد من حالة الارتباك المحيطة بالسياسة التجارية الأمريكية. وعلى الفور، شهد الدولار انخفاضاً في التعاملات الآسيوية، خاصة مقابل العملات الملاذ الآمن مثل الفرنك السويسري والين، بينما تراجعت سندات الخزانة الأمريكية وسط قلق الأسواق من مخاطر تهدد الاستقرار المالي الأوسع وتأثيرها المحتمل على التضخم.

ضبابية حول الإيرادات والديون

يشير العديد من المحللين إلى أن الرسوم الجمركية البديلة التي فرضها ترامب، ورغم أنها أقل، قد تخفف من ضغوط الأسعار على المدى القصير. إلا أن تقييد صلاحيات الرئيس من قبل المحكمة العليا يثير تساؤلات حول عواقبه المستقبلية على الأسواق والاقتصاد ككل. ووفقاً لمذكرة صادرة عن محللين في (آي.إن.جي)، فإن “حالة الضبابية عادت، وبالنظر إلى الاستعراض الأحدث للقوة من جانب القادة الأوروبيين، فإن خطر التصعيد الآن أكبر مما كان عليه قبل عام”.

يتمثل أحد المخاطر الرئيسية لسندات الخزانة في الدعاوى القضائية المتوقعة للمطالبة برد الرسوم الجمركية، وهي عملية قد تستغرق شهوراً في المحاكم الأدنى درجة. وتشير التقديرات إلى أن الإيرادات التي تم جمعها من هذه الرسوم قد تصل إلى أكثر من 175 مليار دولار، وهو مبلغ قد يؤدي ردّه إلى قيام الحكومة الأمريكية بإصدار المزيد من السندات لتمويل العجز المتوقع.

قال دان سيليك، رئيس قسم أدوات الديون قصيرة الأجل والسيولة في جانوس هندرسون، إن رد الرسوم “سيعني زيادة في إصدارات الديون”. ورغم ارتفاع عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات قليلاً إلى 4.1%، إلا أنها تراجعت من ذروتها التي تجاوزت 4.5% في منتصف عام 2025، بالتزامن مع مؤشرات على تباطؤ التضخم وتوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

توقعات متباينة لتأثير الرسوم

قدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب قد تدر نحو 300 مليار دولار سنوياً على مدى العقد المقبل. وتستمر الرسوم البديلة التي تبلغ 15% لمدة 150 يوماً فقط، ولم يتضح بعد موعد تطبيقها أو الدول التي ستشملها.

يُعد سوق السندات المصدر الأكبر للقلق، وفقاً لجين جولدمان، مدير الاستثمار لدى سيتيرا لإدارة الاستثمار، مشيراً إلى احتمالية زيادة الإصدارات في حال اضطرت الحكومة الأمريكية إلى رد الرسوم وتمويل حزم تحفيز أخرى. في المقابل، يرى محللون في مورغان ستانلي أن سوق الدين لن تتأثر بشكل كبير بالعجز المالي، حيث يتوقعون أن يجد ترامب بدائل للرسوم الجمركية وأن أي تمويل إضافي محتمل سيكون عبر أذون خزانة قصيرة الأجل.

الدولار تحت الضغط والتضخم المرتفع

كانت رد فعل الدولار هو مواصلة خسائره، حيث انخفض بنحو 0.4% مقابل اليورو يوم الاثنين، ليبلغ التراجع ما يقرب من 12% منذ بدء ولاية ترامب الثانية في أوائل عام 2025. ويعتقد محللون في باركليز أن قرار المحكمة العليا يمكن اعتباره مثالاً على فعالية مبدأ الضوابط والتوازنات، مما قد يخفف من علاوة المخاطر على الأصول الأمريكية والدولار.

بينما يركز آخرون على التضخم. ويرى إيدي غابور، الرئيس التنفيذي لشركة كي أدفايزورز، أن “عندما يكون لديك هذا القدر من السيولة ويتم خفض الرسوم الجمركية، فإن هذا كله يغذي النمو ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة”، مضيفاً أن “قد تؤدي هذه الأمور أيضاً إلى تسارع التضخم في الأشهر المقبلة. أعتقد أن سوق السندات تستشعر ذلك”.

ماذا بعد؟

يبقى السؤال الرئيسي حول كيفية تعامل المتداولين والمستثمرين مع هذه الفوضى التنظيمية والمالية. مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسات المستقبلية، ستراقب الأسواق عن كثب أي تطورات تتعلق برد الرسوم الجمركية، ومدى تأثيرها على الدين العام الأمريكي، بالإضافة إلى العوامل التي قد تدفع التضخم إلى الارتفاع مجدداً.