اخبار فلسطين

ترامب وطموحاته ليسا قدراً شبكة قدس الإخبارية

جاء منتدى دافوس الاقتصادي مختلفاً هذا العام، فقد طغت عليه خطابات الاستعراض، والتهديد، والبلطجة، والاستخفاف بالرؤساء والقادة واستخدام لغة خارجة عن حدود اللياقة، من قبل رئيس أميركا دونالد ترامب، الذي لم يحضر المنتدى للنقاش أو البحث وإنّما للإملاء، واستعراض القوّة.

الخطاب الذي قدمه ترامب، رفع مستويات التوتّر وأحياناً الغضب لدى الحلفاء التاريخيين، على خلفية الموقف من قراره الانفرادي الفوقي للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، بذرائع لم يهضمها أحد.

بعد أن هدّد باستخدام القوّة للاستيلاء على الجزيرة، وفرض رسوم جمركية على المعارضين، اضطرّ للتراجع والبحث عن حلول وسط أمام تحدّي الدول الأوروبية التي رفضت منطق الإملاء، وسيطرة القوّة.

رئيس الحكومة الكندي مارك كارني، كان نجم المنتدى حيث تميّز بقراءة موضوعية، وتشخيص دقيق للنظام الدولي، وفضح من خلاله تواطؤ الكثير من الدول، خاصة الغربية التي سايرت واشنطن على حساب استقلالها وكراماتها ومصالحها.

كان الخطاب جريئاً ومتحدّياً، ولم يتوقف عند حدود التشخيص الفاضح لسلوك القوّة الطاغية، وإنّما اتبع ذلك بمقاربات واقعية لكيفية التعاطي مع مستجدات ومتغيرات الأوضاع الدولية.

لقد دقّ كارني أجراس الإنذار، لدى المستضعفين وهؤلاء هذه المرّة، ليسوا المنتمين لما يُعرف بدول العالم الثالث وإنّما لمن ينتمون لدول العالم الأوّل والثاني.

أمام تهديدات ترامب، بضمّ كندا لتكون الولاية الـ 51، أعلن كارني أن بلاده وحكومته ستتخذ إجراءات دفاعية تتناسب مع طغيان القوّة الأميركية في حال أقدم ترامب على تنفيذ تهديداته باستخدام القوّة.

لم يكتفِ ترامب بخطاب الاستهزاء من القادة الأوروبيين وإطلاق التهديدات بالقدر الذي يمكن إعلانه وكأنّه حالة الطلاق بين الطرفين، وإنّما عاد واتهم الحلفاء، بالتقصير في مواجهة، الحرب التي أدارتها أميركا في أفغانستان.

«نعم شاركوا بإرسال جنود، ولكن هؤلاء ابتعدوا عن الواجهة بينما تحمّلت أميركا وحدها تكلفة الحرب،» ما يشكّل استهتاراً بحياة الجنود الفرنسيين والإنجليز.. وغيرهم، وقيم الشراكة، ما صبّ المزيد من الزيت على حالة الغضب الأوروبية.

يعلنها صراحة، الإمبراطور ترامب، فالأمم المتحدة العاجزة التي فشلت في تحقيق السلام، لم يعد لوجودها مبرّر، وأن «مجلس السلام العالمي» الذي أعلن عن انطلاقته هو البديل.

لا قيمة من وجهة نظر ترامب لحلف الناتو، ما لم يخضع لإملاءاته، فهو يخدم الآخرين في حين لا يلزم أميركا بشيء.

وفي ردّه على كارني يصفه ترامب بالحاكم أسوة بحكّام الولايات الأميركية، ويهدّد كندا بفرض رسوم تصل إلى 100%.

في دافوس، أعلن ترامب عن «مجلس السلام العالمي»، الذي غاب عنه معظم زعماء أوروبا، وحضره ما يقرب من 20 مسؤولاً في إشارة إلى الفشل في إقناع أو فرض المجلس على دول أخرى ذات وزن.

«السلام العالمي» الذي يفترض أن يتبع بجملة تتصل باستخدام القوّة لفرض أجنداته، لا تقف مهمّاته عند غزّة، ولا حتى عند إقليم الشرق الأوسط، وإنّما يشمل إدارة الصراعات والأزمات على مستوى العالم بديلاً عن مؤسّسات الأمم المتحدة.

المجلس إمبراطورية جديدة، ذات حاكم أوحد، له دون غيره سلطة القرار، فهو الآمر النّاهي، تماماً كما هو حال ترامب في أميركا.

الصيغة التي يتحدث عنها ميثاق المجلس، تعكس جوهرياً وشكلياً طبيعة النظام الدكتاتوري، وفي تشكيلته، أيضاً، يعكس توافقاً بين الحضور وليس الشركاء، الذين في الأغلب ينتمون إلى أنظمة شمولية أو دكتاتورية أو وراثية.

ولأن المجلس نشأ على خلفية حرب الإبادة الجماعية والتجويعية، وخطّة ترامب لقطاع غزّة، فإن ميدان اختباره الأوّل سيكون مرتبطاً ومصداقيته، أيضاً، مرهونة بقدرته على تحقيق السلام في هذه المنطقة.

قبل كل من تحدثوا في منتدى دافوس، وقاموا بفضح النظام الدولي، كانت غزّة، قد كشفت وفضحت ذلك النظام، والقائمين عليه، والمتواطئين معه، ولكن شيئاً كثيراً لم يتغيّر في المواقف إلّا عندما وصلت النيران إلى أقدامهم.

في إطار التوقّعات لإمكانية أن يسعى وينجح «السلام العالمي» في إحلال السلام فيما يتعلّق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن المراهنة على إمكانية تحقيق السلام تبدو أقرب إلى الترّهات.

الفلسطينيون في القطاع، وفي الضفة الغربية و القدس لا يزالون تحت وطأة المخطّطات الإسرائيلية، والحرب بين الحروب، وهم، أيضاً، تحت وطأة الشراكة الأمروإسرائيلية، التي لم تغادر مخطّطات الحصار، والتجويع والقتل والاقتلاع.

إذا كان المجلس سيقدم تجربة ناجحة، فإن عليه أن ي فتح مساراً عريضاً وواضحاً، نحو تحقيق «حلّ الدولتين» ودعم حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم حسب قرارات الأمم المتحدة.

غير أن الوقائع على الأرض وفي ميادين السياسة والتدخّلات، لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى إمكانية وقوع مثل هذه النقلة في العمل من أجل السلام.

أميركا صاحبة القرار في المجلس، لم تعترف يوماً بقرارات الأمم المتحدة، وظلّت ردحاً طويلاً من الزمن تناور وتكذب بشأن «حلّ الدولتين» بينما كانت تعمل لتقويض هذا الحلّ وتعاقب من يتبنّاه ولو بالبعد النظري. الأمر لا يتعلّق بموقف دولة الاحتلال الرافض كلياً للحلّ، وإنما يتعلق بالموقف الأميركي الذي يستطيع فرضه على الأخيرة، أو تركها تواجه مصيرها من دون الدعم الأميركي، ولكن هل أصبح ترامب ومجلسه وطموحاته قدراً؟.. الأيّام ستكشف عن أنّ كل ذلك، ليس سوى عاصفة هوجاء لبعض الوقت.