اخر الاخبار

اعتقال الرئيس الفنزويلي “مادورا”: قراءة في صمت الدولة …جمال خالد الفاضي

لا يمكن قراءة اعتقال رئيس دولة أثناء وجوده في الحكم بوصفه حدثًا أمنيًا عابرًا، بل باعتباره زلزالًا سياسيًا تجاوز حدود فنزويلا،وواحد من أكثر الوقائع ندرة في العلاقات الدولية المعاصرة، فدلالة الحدث لا تكمن في الفعل ذاته، بقدر ما تتجلى في أنماط الاستجابة المؤسسية والمجتمعية التي تلته. وما أثاره من أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة، وحدود السيادة، ومن يملك القرار الحقيقي داخل الدولة. غير أن اللافت في الحدث لم يكن الاعتقال بحد ذاته، بل ما لم يحدث، وهو غياب أي مقاومة تُذكر من الجيش الفنزويلي، وغياب رد فعل حكومي أو شعبي واسع يتناسب مع حجم الصدمة.

تُظهر الأدبيات السياسية، أن الأنظمة السلطوية لا تُدار بشكل شخصاني خالص، بل عبر توازنات دقيقة بين  القيادة السياسية، المؤسسة العسكرية، الأجهزة الأمنية، النخب الاقتصادية. وعليه، فإن سقوط رأس السلطة دون صدام يُرجّح فرضية تآكل الإجماع داخل النخبة الحاكمة، أو انتقال مركز القرار قبل لحظة الحدث.

وفي هذا السياق، يبرز موقف الجيش الفنزويلي، الذي شكّل تاريخيًا صمّام أمان النظام، بوصفه عنصرًا حاسمًا في فهم ما جرى، فالامتناع عن الدفاع عن الرئيس. في مشهد من الحياد، لا يمكن قراءته بوصفه ضعفًا، بل بوصفه قرارًا سياسيًا بامتياز. إذ قد يعكس هذا الموقف رفضًا للتضحية بالمؤسسة من أجل فرد، إدراكًا بأن استمرار المواجهة سيؤدي إلى تدخل أوسع أو حرب أهلية، أو وجود ضمانات أمريكية مسبقة قُدمت للقيادات العسكرية مقابل عدم التصعيد. في كل الأحوال، يبدو ان ما جرى يعكس أن الرئيس لم يعد يمثل الإجماع داخل منظومة الحكم، ليغدو عنصرًا قابلًا للاستبدال إذا ما اعتُبر مصدر خطر على بقاء النظام ذاته. فالأنظمةفي مثل هذه اللحظات، لا تُفاجأ، بقدر ما تُعيد التموضع.

على المستوى المجتمعي، يعكس غياب التعبئة الشعبية حالة إنهاك سياسي واقتصادي عميق، وافتقارًا للثقة بقدرة التغيير الفوقي على إنتاج تحوّل بنيوي حقيقي. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن المجتمعات لا تتفاعل بقوة مع الأحداث المفصلية ما لم تُترجم إلى مشروع سياسي واضح المعالم، قادر على تحويل الصدمة إلى أفق بديل.

في لحظات التحول الكبرى، تلجأ الأنظمة إلى ما يمكن تسميته بـ التضحية الوقائية، حيث يتم بموجبها التخلي عن القائد عندما يتحول إلى عبء يهدد بقاء المنظومة بأكملها. بهذا المعنى، يمكن قراءة اعتقال مادورو كجزء من محاولة إنقاذ النظام لا إسقاطه، إعادة إنتاج السلطة بوجه جديد، فتح باب تفاوض مع الخارج من موقع المرونة بدل الانهيار، وهو سيناريو عرفته دول عديدة حين قُدّم الرئيس قربانًا لبقاء الدولة العميقة.

أما الشارع الفنزويلي، الذي أنهكته سنوات من العقوبات والتدهور الاقتصادي، فلم ينفجر كما قد يتوقع البعض. غير أن هذا الصمت لا يعني قبولًا بالحدث، بقدر ما يعكس فقدان الثقة بأن تغيير الأشخاص سيؤدي إلى تغيير السياسات، والخوف من الانزلاق إلى الفوضى، وغياب قيادة سياسية قادرة على تحويل اللحظة إلى مشروع وطني جامع. فالشعوب لا تتحرك دفاعًا عن رموز، بل حين ترى أفقًا مختلفًا وقابلًا للتحقق.

من زاوية واشنطن، لا يمكن فصل الحدث عن حسابات المصالحالاستراتيجية، وعلى رأسها أمن الطاقة، النفوذ في أميركا اللاتينية، احتواء الخصوم الدوليين، وتجنّب سيناريوهات الفوضى الشاملة. فالسياسة الأمريكية، وإن بدت صادمة في أدواتها، غالبًا ما تكون محكومة بسقف واضح، وهو إعادة ترتيب السلطة لا تفجيرها.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن الحدث لا يمثّل بالضرورة قطيعة مع النظام القائم، بل قد يشكّل مرحلة إعادة ترتيب داخلية تحت ضغط خارجي، هدفها ضمان الاستمرارية بأقل كلفة ممكنة. وتبقى مسألة ما إذا كان هذا التحول سيقود إلى إصلاح بنيوي فعلي، أم إلى إعادة إنتاج النخبة نفسها، رهينةً بمسار المرحلة الانتقالية وطبيعة الترتيبات التي ستلي الحدث.

في المحصلة، ما جرى في فنزويلا ليس مجرد اعتقال رئيس، بل انكشاف دولة. فالدولة التي يُنتزع رئيسها من موقعه دون طلقة واحدة، ليست دولة خُرقت سيادتها فحسب، بل دولة تخلّت عن رأسها أو سُحبت منه الشرعية من الداخل قبل أن تُسحب من الخارج. من هنا يبقى السؤال الجوهري المفتوح: هل نحن أمام بداية تفكيك النظام أم مجرد تعديل في واجهته؟. 

يعلّمنا التاريخ القريب أن سقوط الرؤساء لا يعني سقوط الأنظمةوالتغيير الحقيقي لا يُقاس بمن غادر القصر، بل بمن بقي في مراكز القرار، وحدها الأيام المقبلة ستكشف إن كان ما جرى انتقالًا سياسيًا حقيقيًا، أم إعادة تدوير للسلطة تحت ضغط اللحظة الدولية.