القضاء اللبناني… وامتحان التصدّي لملفات الفساد

حسن عبد الله قائد عملية «التعويم» في مصر… يستكمل «تكليفه»
بعد نحو أسبوع من الجدل، جاء قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بتجديد تكليف حسن عبد الله قائماً بأعمال البنك المركزي المصري لمدة عام اعتباراً من 18 أغسطس (آب) 2025، ليضع حداً للتساؤلات بشأن مستقبل المؤسسة المالية الأعلى في البلاد، ومستقبل رئيسها. وكانت هذه التكهنات قد ازدادت بفضل «نجاحه»، وفق مراقبين، في إدارة السياسات المالية للبلاد خلال فترة «حرجة»، وقيادته تحوّلاً نقدياً حاداً عام 2024 أنهى سياسة تثبيت سعر الصرف، ورفع الفائدة بشكل دراماتيكي لإخماد التضخم واستعادة انسياب العملة الصعبة، مع خطاب ربط الاستقرار بمحاربة السوق الموازية واستهداف التضخم، وهو ما مكّنه من استعادة الثقة في السياسة النقدية.
يُعد حسن عبد الله من المصرفيين المصريين المؤيدين لخطوات تحرير السياسات المالية منذ بداية الألفية الثانية. وهو يدعم الاستثمارات الأجنبية، ويجيد وفق عارفيه التعامل مع المستثمرين الأجانب.
عبد الله رجل دولة «تكنوقراطي» يجمع بين الخبرة الأكاديمية والعملية، ويصفه عارفوه ومتابعو مسيرته بأنه «عقلاني يفهم السوق الدولية». إلا أنه وإن استطاع كبح جماح سوق الصرف الموازية للعملة المحلية (السوق السوداء)، فإنه لا يزال أمامه كثير من التحديات لتحقيق الاستقرار المالي.
جدل قديم… ومتكرر
وفي حين حسم القرار الجمهوري الجدل حول بقاء عبد الله، فإنه فتح جدلاً قديماً رافق تعيينه قائماً بأعمال محافظ البنك المركزي عام 2022. إذ أثار استخدام مسمى «قائماً بالأعمال» وليس «رئيس»، تساؤلات عدة برّرت آنذاك بأن المادة 216 من الدستور المصري تنصّ على أن يعيّن رئيس الجمهورية رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية، بعد موافقة مجلس النواب بغالبية أعضائه لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة. ولا يُعفى أي منهم من منصبه إلا في الحالات المحددة بالقانون، ويُحظر عليهم ما يُحظر على الوزراء». ولأن مجلس النواب (البرلمان) كان في إجازة وقت تعيين عبد الله فقد صدر القرار بتكليفه قائماً بالأعمال.
الجدل تكرّر الآن مع تجديد تكليفه، للعام الرابع على التوالي بالمهمة نفسها، من دون عرض اسمه على البرلمان للحصول على موافقته وتعيينه رئيساً لمدة أربع سنوات. يثير هذا الجدل تساؤلاً بشأن مستوى الثقة والقدرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، لا سيما أن القرارات الاقتصادية تتطلب قدراً من الاستقرار قد لا يتناسب مع تجديد تعيين محافظ البنك المركزي سنوياً.
خبرة أكاديمية وعملية
في حي الزمالك، أحد أرقى أحياء القاهرة، نشأ حسن عبد الله، المولود في الأول من أغسطس (آب) عام 1960، وتلقى تعليمه الأساسي في واحدة من أشهر مدارس الزمالك، وهي مدرسة بورسعيد.
بعدها، تابع عبد الله تعليمه في الجامعة الأميركية بالقاهرة حيث حصل على بكالوريوس إدارة الأعمال عام 1982، ثم ماجستير إدارة الأعمال من الجامعة نفسها عام 1992. وهذه الخلفية الأكاديمية منحت عبد الله القدرة على المزج بين النظرة العالمية والتطبيق المحلي، لا سيما مع عمله أستاذاً مساعداً للتمويل في الجامعة الأميركية لفترة تزيد على عشرين سنة.
فور التخرّج من الجامعة دشّن عبد الله مسيرته المهنية بالعمل في «البنك العربي الأفريقي الدولي» (AAIB)عام 1982. وبدأ في غرفة التداول وأسواق المال، قبل انتقاله إلى نيويورك عام 1988 حيث عمل في إدارة الخزانة وسياسات التحوّط. ومن ثم، تدرّج عبد الله في المناصب داخل البنك من مساعد المدير العام 1994 إلى مدير عام 1999، ثم نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب في 2002 حتى 2018. ما يذكر هنا أنه تزامن عمله في «البنك العربي الأفريقي» مع أوضاع مصرفية «صعبة»، وكلام عن ضعف البنية التحتية، دفع لبدء خطة إصلاح مصرفي عام 2003.
يُنسب إلى حسن عبد الله في تلك الفترة دوره في تنفيذ دمج بنك «مصر-أميركا الدولي» في «البنك العربي الأفريقي» عام 2005 في صفقة استحواذ بلغت قيمتها نحو 240 مليون جنيه، وكانت الأولى من نوعها بين بنوك القطاع الخاص مصر. وأيضاً لعب دوراً في الاستحواذ على محفظة بنك «نوفا سكوشيا» الكندي في مصر عام 2015. وكانت هذه خطوات محورية ساهمت في تعزيز وضع «البنك العربي الأفريقي» في القطاع المصرفي المحلي.
إلى جانب المهام الوظيفية، شغل عبد الله عضوية مجالس إدارة مؤسسات مالية عدة مثل: البنك المركزي المصري، والبورصة، والمعهد المصرفي، واتحاد المصارف العربية والفرنسية في هونغ كونغ وباريس، والمعهد المصرفي الدولي، إلى جانب مشاركته في مؤسسات مدنية؛ مثل جمعية «شباب الأعمال» و«المجلس الوطني للتنافسية».
إقالة أم استقالة؟
عام 2016، وضع طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري السابق، حداً أقصى لتولّي رئاسة المصارف هو 9 سنوات، بهدف «إعداد صف ثانٍ والدفع بالشباب والصفوف الثانية إلى الأمام وضخ دماء جديدة في شرايين المؤسسات»، وهو القرار الذي ألغته المحكمة فيما بعد. لكن رغم ذلك، ترك عبد الله منصبه في «البنك العربي الأفريقي» في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2018، عقب قرار من البنك المركزي، الذي يمتلك نحو 49 في المائة من أسهمه، ترشيح شريف علوي، المدير الإقليمي للبنك العربي – الأردني، لهذا المنصب.
هذه الخطوة وُصفت محلياً بأنها «إقالة». وتداولت وسائل إعلام محلية ومواقع تواصل اجتماعي في تلك الفترة كلاماً عن خلافات بين عامر وعبد الله، وصل إلى حد ترويج تسريبات عن «اتهامات بمخالفات وهدر أموال»، لكنَّ أياً من تلك الاتهامات المتداولة لم يصل إلى القضاء، ولم يؤكده الطرفان رسمياً.
لم يتفاعل عبد الله المعروف بـ«هدوئه» والتزامه «الصمت المؤسسي»، مع التسريبات والتكهنات، ليعزّز صورته كرجل دولة تكنوقراطي، ويتربع بعد سنوات على قمة البنك المركزي المصري.
من سوق المال إلى الإعلام
وفي خطوة إعلامية وُصفت بـ«الاستثنائية»، عُيّن عبد الله رئيساً لمجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية (UMS) منذ مايو (أيار) 2021، وهي مؤسسة تدير عدداً كبيراً من وسائل الإعلام المصرية المرئية والمسموعة والمقروءة.
تعيين شخصية مصرفية، مثل عبد الله، على رأس مؤسسة إعلامية مهمة، وُصف -آنذاك- بأنه محاولة «لتطوير المؤسّسة تحت إشراف شخص قادر على إعادة هيكلتها إدارياً ومالياً وتخليصها من عثراتها المالية».
وبالفعل، قدّمه الإعلام المحلي بوصفه رجل «إدارة الأزمات» القادر على إصلاح المؤسسات المتعثرة، الأمر الذي منح عبد الله وزناً سياسياً وإعلامياً، أسهم إلى جانب خبراته المالية والمصرفية، في دفعه لقيادة أهم مؤسسة مالية في البلاد.
قيادة «هادئة ومؤثرة»
عيّن عبد الله قائماً بأعمال محافظ البنك المركزي المصري يوم 18 أغسطس (آب) 2022 خلفاً لطارق عامر. وجُدّد تكليفه في 2023، ثم مُدِّد لعام ثالث في 2024، ورابع اعتباراً من 18 أغسطس 2025.
هذا الانتقال من القطاع الإعلامي إلى قيادة السياسة النقدية يوحي بأن الرجل ليس فقط مصرفياً، بل هو إداري لديه نظرة شمولية لربط الإعلام بالاقتصاد والسياسات المؤسسية. وحقاً، في 6 مارس (آذار) 2024، نفّذ البنك المركزي حزمة قرارات عُدّت «نقطة تحوّل» في السياسة النقدية، إذ سُمح بمرونة سعر صرف الجنيه وفقاً لاعتبارات السوق (تحرير سعر الصرف)، جنباً إلى جنب مع رفع الفائدة 600 نقطة أساس (الإيداع إلى 27.25 في المائة، والإقراض إلى 28.25 في المائة) لكبح التضخم، مع تأكيد استمرار استهداف التضخم «مرتكزاً أساسياً» للسياسة النقدية.
أسهمت هذه القرارات في زيادة القرض الموقّع مع صندوق النقد الدولي لمصر عام 2022 من ثلاثة مليارات دولار أميركي إلى ثمانية مليارات. كذلك وضعت حداً لسوق الصرف الموازية (السوق السوداء) التي ازدهرت خلال فترات سابقة على «التعويم»، في ظل أزمة توفير النقد الأجنبي ليتجاوز سعر الدولار حاجز الـ70 جنيهاً مقارنةً بـ30 جنيهاً، السعر الرسمي، وأصبح 50 جنيهاً بعد التعويم.
بعد قرار تحرير سعر الصرف، وصف عبد الله التداول في السوق الموازية بأنه «مرض» ناتج عن ضعف الثقة. ولفت إلى قدرة البنك المركزي على التدخل إذا ظهرت «تحركات غير منطقية» في سعر الصرف مع الإبقاء على آلية السوق.
أيضاً، أكد عبد الله مراراً أن مصر لا تتبنّى «سعراً ثابتاً» للصرف، وأن توحيد السعر والقضاء على الفجوة مع السوق الموازية شرط لاستقرار تدفقات النقد الأجنبي. قرارات عبد الله هذه ساعدت، حسب مراقبين، في استعادة جزء من الثقة، وجذب تمويلات كبرى واتفاقات واستثمارات خليجية، وتخفيف اختناقات الدولار في الجهاز المصرفي.
من ناحية ثانية، مع أن التباطؤ في تحرير سعر الصرف كان أحد الانتقادات الرئيسية للنظام المالي المصري قبل مارس 2024، فقد عاد قرار التعويم عليه بانتقادات أيضاً بسبب تكلفته الاجتماعية بفعل التضخم وتدهور القوة الشرائية على المدى القصير. وهكذا استمرت التساؤلات بشأن وتيرة الإصلاحات الهيكلية وقدرة السياسات المالية المصرية على مواجهة التحديات.
هنا يظهر اسم عبد الله، بوصفه رائد إصلاح نقدي قدم نموذجاً نادراً في المشهد الاقتصادي المصري. لا يصرّح كثيراً للإعلام، لكنَّ كثيرين يؤكدون أنه رغم هدوء طبعه فإنه شخص «مؤثّر يفضّل العمل خلف الكواليس».
وبالفعل، عام 2024، عيّن ممثلاً لمصر في مؤسسات دولية مثل صندوق النقد وبنك التنمية الأفريقي ومجلس محافظي النقد العربي. وحصل في يونيو (حزيران) الماضي على جائزة «محافظ العام 2025» من اتحاد المصارف العربية، وتسلم الجائزة في احتفالية بالعاصمة الفرنسية باريس، كما حصل في فبراير (شباط) الماضي على جائزة «أفضل محافظ بنك مركزي في أفريقيا» لعام 2025. يصفه عارفوه بأنه «رجل دولة تكنوقراطي»
و«عقلاني يفهم السوق الدولية ويجيد إدارة الأزمات»