اخر الاخبار

عندما تُهندس السياسة في غزة: قراءة في السلطة والوصاية .. جمال خالد الفاضي

لم تكن حرب الإبادة على غزة مجرد مواجهة عسكرية ذات أبعاد تكتيكية، بل مثلت لحظة مفصلية في إعادة إنتاج البنية السياسية والاجتماعية للقطاع ضمن ما يمكن توصيفه بـ”الهندسة السياسية القسرية”. ففي أعقاب الدمار الشامل، لا تُدار غزة فقط من خلال أدوات القوة العسكرية المباشرة، بل عبر منظومة مركبة من التدخلات الإنسانية والأمنية والإدارية التي تعيد تشكيل الفضاء السياسي برمته.

وتكمن ضرورة هذا النوع من التحليل في أن الوقائع الجارية لا يمكن فهمها بمنطق الحدث العابر أو الإدارة التقنية للأزمات فقط، بل تتطلب مقاربة تكشف البُنى العميقة التي تُعاد عبرها صياغة السلطة والقرار. فالمسألة لم تعد تتعلق بتداعيات حرب فحسب، بل بكيفية إعادة تشكيل المجال السياسي نفسه، وما يُفرض عليه من تصورات وحدود وأدوار.

وفي سياق إعلان مجلس السلام، والإدارات المرفقة به، تبرز إشكالية مركزية: هل نشهد محاولة لبناء سلام مُهندس سلفًا، أم أننا أمام إعادة إنتاج منظومة وصاية جديدة بلباس إنساني؟ للإجابة عن هذا السؤال، يمكن الاستعانة بإطارين نظريين مركزيين: مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي، ومفهوم السلطة الحيوية والانضباطية عند ميشيل فوكو.

يُعرّف غرامشي الهيمنة بأنها القدرة على فرض القيادة السياسية والفكرية عبر مزيج من الإكراه والقبول، بحيث لا تُمارس السلطة فقط بالقوة، بل من خلال إنتاج منظومة قيم ومعايير يُعاد من خلالهاتشكيل الوعي الجمعي. وفي السياق الغزي، لا تقتصر الهيمنة على السيطرة العسكرية، بل تمتد إلى: إعادة تعريف من هو “الفاعل الشرعي” سياسيًا؛ وفرض نماذج حكم بديلة خارج التوافق الوطني؛ إعادة تأطير المقاومة بوصفها “تهديدًا للاستقرار، وإعادة تعريف مفهوم “الأمن” بمعايير استعمارية. هنا تتجلى الهيمنة بوصفها عملية إعادة إنتاج للنظام القائم، حيث يُعاد تشكيل المجال السياسي بطريقة تُفرغه من مضامينه التحررية وتحوله إلى إدارة تقنية للأزمة.

من جهته، يقدم ميشيل فوكو مفهوم السلطة الحيوية، باعتبارها نمطًا حديثًا من السلطة يركز على إدارة الحياة نفسها: تنظيم السكان، التحكم في الجسد، ضبط الاحتياجات الأساسية. و في غزة، تتجسد هذه السلطة عبر: تسييس الغذاء والدواء والماء؛ التحكم في تدفق المساعدات الإنسانية؛ تحويل الإغاثة إلى أداة ضبط اجتماعي؛ وإخضاع السكان لمنظومة تصاريح ورقابة بيروقراطية. بهذا المعنى، لا تُترك المعاناة كنتاج عرضي للحرب، بل يتم تنظيمها وإدارتها ضمن منظومة حكم غير مباشرة، حيث يصبح الجسد الفلسطيني موضوعًا للضبط والتقنين، لا للحقوق.

من منظور غرامشي، تسعى القوى المهيمنة إلى إعادة تشكيل “الأفق الممكن” للشعوب الخاضعة لها. في الحالة الفلسطينية، يجري اليوم: تفكيك المشروع الوطني لصالح “إدارة محلية للأزمة”؛ استبدال خطاب التحرر بخطاب “الاستقرار”؛ وإعادة تعريف الطموح السياسي ليصبح تحسين شروط الحياة لا إنهاء الاحتلال. هنا تتحقق الهيمنة الثقافية عبر إعادة هندسة المخيال السياسي الفلسطيني، بحيث يُختزل الحق في تقرير المصير إلى مطالب إنسانية جزئية.

يُطرح اليوم نموذج “السلام” عبر التدخلات الأمريكية والدولية، باعتباره حلًا تقنيًا جاهزًا، لكنه في جوهره: سلام بلا عدالة انتقالية؛ بلا مساءلة عن جرائم الحرب؛ وبلا تفكيك لبنية الاستعمار. بينما ترى قراءة فوكو، أن هذا السلام ليس إلا نظام ضبط جديد، يعيد إنتاج السيطرة عبر أدوات ناعمة: التمويل، إعادة الإعمار المشروط، المراقبة الأمنية. أما غرامشيًا، فهو يمثل محاولة لبناء هيمنة جديدة عبر خلق قبول قسري بالواقع القائم، تحت شعار الواقعية السياسية.

إن استمرار هذا المسار يحمل تداعيات بنيوية خطيرة: تفكيك الهوية الوطنية؛ تكريس الانقسام الداخلي؛ تحويل غزة إلى نموذج “إدارة كارثة دائمة”؛ وتعميم منطق الاستثناء السياسي، وهو ما يتقاطع مع مفهوم فوكو حول “حالة الاستثناء الدائمة” حيث تتحول القاعدة القانونية إلى تعليق مستمر للحقوق. ما يجري بشأن غزة اليوم يتجاوز كونه ترتيبات ما بعد الحرب، ليشكّل عملية إعادة تشكيل قسرية للفضاء السياسي الفلسطيني. وبينما يُسوّق ذلك كمسار نحو السلام، تكشف القراءة النقدية، عبر فوكو وغرامشي، أنه مشروع هيمنة جديد، يُدار بأدوات إنسانية وأمنية وثقافية في آن واحد. ويبقى التحدي المركزي أمام الفلسطينيين هو: هل يستطيعون تفكيك هذه الهندسة المفروضة، وبناء مشروع تحرري مضاد يعيد الاعتبار للسيادة والكرامة؟. أم أن غزة ستُختزل إلى مختبر دائم لإدارة الأزمات تحت وصاية مفتوحة النهاية؟