اخر الاخبار

هل اقتربت نهاية ترامب؟ مؤشرات تصدع في الداخل الأمريكي ..المستشار د. أحمد يوسف

لم يكن كثيرون يتوقعون أن يبلغ التمادي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الحد في ولايته الثانية؛ سواء في استخفافه بالقانون الدولي، أو في تعامله الخشن مع شبكة التحالفات التي شكّلت لعقود ركيزة النفوذ الأمريكي في العالم. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، بدا واضحًا أنه يسعى إلى التفرد بالقرار، متجاوزًا أعراف التوازن بين السلطات، ومضيّقًا المساحات التي اعتادت المؤسسات الأمريكية أن تتحرك ضمنها باستقلال نسبي.
لم تقف التجاوزات عند حدود الأوامر التنفيذية المثيرة للجدل، بل طالت العلاقة مع الكونغرس وحكام الولايات، في مشهد أعاد طرح سؤال حدود السلطة الرئاسية في النظام الدستوري الأمريكي. أما داخليًا، فقد اتخذت سياساته تجاه المهاجرين – الشرعيين وغير الشرعيين – منحًى تصادميًا حادًا، رافقته لغة تحريضية غير مسبوقة ضد الملونين، ومن بينهم العرب والمسلمون، ما أسهم في توسيع دائرة الإسلاموفوبيا وتعميق الانقسام المجتمعي. وأصبح انتقاد إسرائيل في بعض الأوساط يُقارب بوصفه شبهة “معاداة للسامية”، في ظل إجراءات تلاحق نشطاء متعاطفين مع الفلسطينيين على خلفية الحرب في غزة.
خارجيًا، بدا المشهد أكثر اضطرابًا. تهديدات بضم كندا والمكسيك، وحديث متكرر عن السيطرة على جزيرة جرينلاند، إلى جانب إساءات علنية لحلفاء الولايات المتحدة في أوروبا، عكست نزعة أحادية تتعامل مع السياسة الدولية بمنطق الصفقة والضغط لا بمنطق الشراكة. كما اتسمت علاقة إدارته بالمؤسسات الدولية بقدر كبير من التوتر، سواء تجاه الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية، في صورة عززت الانطباع بأن واشنطن تتصرف أحيانًا كقوة فوق القانون.
ولا يمكن فصل ذلك عن الدعم غير المحدود الذي حظي به مجرم الحرب؛ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال  مجازره في قطاع غزة، بما حملته من مشاهد مأساوية هزّت الرأي العام العالمي. وقد انعكس هذا الدعم على الداخل الأمريكي نفسه، حيث خرجت مظاهرات مليونية واسعة النطاق في عشرات المدن الكبرى، مطالبة بوقف الحرب ومراجعة السياسة الخارجية. كما جاءت نتائج انتخابات محلية في عدد من الولايات، بتقدم الديمقراطيين على حساب الجمهوريين، بمثابة جرس إنذار مبكر للحزب الحاكم قبيل الانتخابات النصفية.
وفي سياق التصعيد الخارجي، تبنّت الإدارة خطابًا حادًا تجاه الصين وروسيا وإيران، مع اعتماد سياسة حافة الهاوية، ما أعاد العالم إلى أجواء استقطاب مقلقة. ولم يتردد ترامب في استخدام خطاب استعراضي تجاه فنزويلا، ملوّحًا بالقوة ومتفاخرًا بقدرات بلاده على الحسم، في لغة بدت أقرب إلى منطق الإكراه السياسي منها إلى الأعراف الدبلوماسية المتوازنة، وكانت ابرز تجلياتها الهمجية في اختطاف الرئيس مادورو وزوجته من داخل قصره وجلبه بشكل مهين إلى  أمريكا للمحاكمة، وهو ما عزز صورة إدارة تميل إلى فرض الإرادة أكثر من الاحتكام إلى قواعد النظام الدولي.
داخليًا، حذر أكاديميون وساسة أمريكيون من أن الاستقطاب بلغ مستويات خطيرة، وأن الخطاب التحريضي والانقسام الحزبي قد يدفعان البلاد إلى توتر مجتمعي غير مسبوق. ومع تزايد الانتقادات داخل الحزب الجمهوري نفسه، وظهور تململ في أوساط بعض أعضاء الكونغرس، بدأت ملامح تصدع داخل المعسكر الداعم للرئيس، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة المسار الحالي على مستقبل الحزب والدولة معًا.
من وجهة نظري، فإن استمرار هذا النهج لن يكون سهلًا أو طويل الأمد. فالمؤسسات الأمريكية، رغم ما تعرضت له من ضغوط، ما زالت تملك قدرًا من المناعة والقدرة على التصحيح. والحديث المتصاعد عن مساءلة الرئيس أو تقليص نفوذه يعكس أن المسألة تجاوزت الخلاف الحزبي، لتصبح مرتبطة بصورة الولايات المتحدة ومكانتها الدولية.
السؤال المطروح اليوم: هل اقتربت نهاية ترامب؟ ربما لا تكون الإجابة حاسمة بعد، لكن المؤكد أن الداخل الأمريكي يغلي، وأن الأشهر المقبلة ستحدد ليس فقط مصير رئيس، بل شكل الدور الأمريكي في عالم يتغير بسرعة، ويتطلع إلى قدر أكبر من التوازن واحترام القانون الدولي.