اخر الاخبار

هل يقود الذكاء الاصطناعي مهمات الفضاء؟

منذ أن وقف جلجامش، ملك أوروك، قبل خمسة آلاف عام على ضفاف دجلة يبحث عن «عُشب الحياة»، والإنسان لم يتوقف عن مطاردة فكرة الخلود. كأنّ السؤال الذي كتبه السومريون على ألواح الطين ظلّ يتردّد عبر العصور: هل يمكن للإنسان أن يمدّ أيامه؟

واليوم، وبعد آلاف السنين، يعود السؤال نفسه في هيئة جديدة… ليس عبر أسطورة أو شعر، بل عبر خوارزمية في مختبر من مختبرات هارفارد، تحاول أن تعيد صياغة علاقتنا بالزمن.

لقد تغيّر العالم بما يكفي ليجعل الشيخوخة -التي كانت قدراً مطلقاً- ملفاً طبياً يمكن تحليله، وقياسه، وربما إبطاؤه. ومع صعود «طبّ تطويل العمر»، (Longevity Medicine)، واتحاد الذكاء الاصطناعي مع الجينوم والمناعة، بدأت معالم ثورة هادئة تتشكّل: ثورة لا تَعِدُ بإلغاء الزمن… بل بترويضه.

من عمر السنين إلى عمر الخلايا

لطالما اعتدنا أن نقول: فلان في الخمسين، وفلان تجاوز السبعين. لكن هذه الأرقام أصبحت اليوم غير كافية. فالعلم يتجه إلى مقياس أكثر دقة: العمر البيولوجي، وهو العمر الحقيقي الذي تعيشه خلاياك، بغضّ النظر عن رقم الهوية أو جواز السفر.

ويعتمد هذا المفهوم على ثلاثة أعمدة أساسية:

– تحليل التيلوميرات (نهايات الكروموسوم) التي تتآكل مع الزمن.

– بصمة الالتهاب المناعي الذي يلتهم شباب الجسم بصمت.

– الخوارزميات التنبؤية التي تجمع بيانات النوم، والميكروبيوم، وصور الأشعة، وحركة القلب والتنفس، لتنتج خريطة دقيقة لشيخوخة الفرد بدقة قد تصل إلى 93 في المائة.

إنه الانتقال من سؤال: كم عمرك؟ إلى سؤال أكثر واقعية: كم «تُبدي» خلاياك من عمر؟

«هارفارد» تُغيِّر قواعد اللعبة

في قلب هذا التحوّل، جاءت واحدة من أهم دراسات 2025 من كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى بريغهام العام في ماساشوستس، قادها فريق البروفسور هيوغو أرتس -أحد أبرز روّاد الذكاء الاصطناعي في الأورام- ومعه البروفسور ريموند ماك، المتخصص في بيانات الذكاء الاصطناعي الطبي.

• «العمر البيولوجي الوجهي»: وقد أنتج الفريق خوارزمية ثورية تُدعى FaceAge تستطيع قراءة «العمر البيولوجي الوجهي» من صورة واحدة… وبنسبة دقة غير مسبوقة.

تم تدريب الخوارزمية على: 58000 صورة لأشخاص أصحاء، و6000 صورة لمرضى سرطان، وآلاف العلامات الوجهيّة متناهية الصغر التي لا تلاحظها العين البشرية.

لم تحلل الخوارزمية التجاعيد فقط، بل درست تماثل العينين، وتوتر الجلد، واختلافات اللون، والانعكاسات الميكروسكوبية للضوء، وحتى الأنماط الدقيقة للتعب العضلي.

وبعد أشهر من العمل على الشبكات العصبية العميقة (Deep Neural Networks)، وصلت دقّة تحديد العمر البيولوجي إلى أكثر من 90 في المائة.

وقد نشرت «هارفارد» نتائج هذه الدراسة في «Harvard Gazette» بتاريخ 15 مايو (أيار) 2025 قبل أن تُنشر الورقة الأكاديمية في «The Lancet Digital Health» لتصبح محور نقاش عالمي.

إنها المرة الأولى التي يستطيع فيها العلم قراءة الزمن… على الوجه.

• وصفة الذكاء الاصطناعي لعُمر أطول: الأمر المدهش أن دور الذكاء الاصطناعي لم يتوقف عند التشخيص، بل امتدّ إلى كتابة وصفة عمر أطول لكل فرد.

فالأنظمة الحديثة تحلل:

– نشاط الميتوكوندريا.

– مستويات الالتهاب الصامت.

– جودة النوم.

– المؤشرات فوق الجينية.

– الميكروبيوم الفموي والمعوي.

ثم تضع برنامجاً شخصياً يشمل:

– أدوية مضادة للشيخوخة؛ مثل Metformin وRapamycin.

– تمارين عالية الكثافة قصيرة المدة.

– نظام غذائي موجّه حسب الميكروبيوم.

– مكملات دقيقة مثل NMN وCoQ10.

– جدول نوم محسوب وفق الإيقاع البيولوجي.

وفي دراسة أميركية لجامعة هارفارد، انخفض العمر البيولوجي لنحو 50 متطوعاً بمعدل سنة ونصف خلال 8 أشهر فقط.

إنها ليست خرافة… إنها رياضيات.

اتحاد الأدوات الذكية مع الجينوم والمناعة يرسم معالم ثورة هادئة تَعِدُ بترويض الزمن

إطالة العمر في الخليج

ربما تكون منطقتنا العربية -خصوصاً الخليج – واحدة من أكثر المناطق استعداداً لدخول هذا العصر. فهناك إرادة سياسية واضحة (السعودية 2030، الإمارات 2071)، وبنية رقمية متقدمة، ومشاريع جينومية ضخمة، ومنصات ذكاء اصطناعي قوية؛ مثل: سدايا، وكاوست، ومختبرات نيوم.

وقد بدأت بالفعل عيادات في الرياض ودبي بإجراء:

– تحليل الميكروبيوم.

– قياس الالتهاب الصامت.

– بناء التوأم الرقمي الصحي.

وهي مقدمات لولادة أول «عيادات عمر بيولوجي» عربية.

لكن… هل نحن جاهزون فلسفياً؟ هنا تكمن المفارقة.

فالسؤال لم يعد طبياً فقط، بل هو وجودي: ماذا سنفعل بالسنوات الإضافية؟

هل إطالة العمر تعني تحسين جودة الحياة؟ مَن سيملك هذه التكنولوجيا ومَن سيُحرم منها؟ فالذكاء الاصطناعي قادر على إطالة العمر… لكنه قادر أيضاً على توسيع الفجوة الصحية إذا غابت التشريعات.

وقد يمنحنا العلم سنوات أطول، لكن الإنسان لا يُقاس بطول عمره، بل بعمق أثره. وهنا يهمس ابن رشد من بعيد: «العلم يمنح القدرة… لكنَّ الحكمة هي التي تختار الطريق».