البرد يعمّق هشاشة القرى الجبلية

يواجه سكان القرى والمداشر في العالم القروي الممتد بأقاليم الشمال، خاصة المناطق الجبلية، تساقطات مطرية وثلجية بكميات مهمة، حيث يفاقم الفقر والحاجة معاناتهم مع البرد القارس والعزلة التي تحاصرهم في بعض الأحيان.
وأدخلت الظروف المناخية التي تعيشها البلاد منذ ثلاثة أسابيع ساكنة المناطق التي تهبط درجات الحرارة فيها إلى ما دون الصفر في دوامة من المشاكل والتحديات اليومية بهدف تأمين الحاجيات الأساسية والوسائل الضرورية للتدفئة للوقاية من لسعات البرد.
وتطرح تساؤلات كثيرة حول جهود الدعم والإسناد المتواضعة التي تقدم لهذه الفئات في الظروف القاسية التي تكابدها في صمت؛ إذ إن مبادرات السلطات المحلية محدودة لا تشمل جميع المستحقين، ومساهمات المجتمع المدني متواضعة لا ترقى إلى حجم الخصاص الحاصل.
بلال كريكش، واحد من الشباب والنشطاء الجمعويين في مدينة تطوان الذين يبادرون إلى القيام بحملات إنسانية لفائدة سكان العالم القروي في فصل الشتاء، قال إن التساقطات المهمة التي تعرفها المملكة خلال الموسم الحالي وما تحمله من خير للقطاع الفلاحي والموارد المائية، “تكشف معاناة حقيقية تعيشها ساكنة القرى والمداشر المعزولة مع حلول فصل الشتاء”.
وأفاد كريكش، في حديث مع هسبريس، بأن جمعيات المجتمع المدني بتطوان تحرص منذ سنوات على مواكبة هذه الأوضاع من خلال مبادرات تضامنية ميدانية، مشيرا إلى أن متطوعين من المدينة ينظمون سنويا حملة إنسانية تحت شعار “دفء الشتاء لأهل البادية”، بلغت هذه السنة دورتها السادسة على التوالي.
وأضاف الفاعل الجمعوي ذاته أن الحملة تُنظم وفق الإمكانيات المتاحة؛ إذ يتم الاشتغال أحيانا على “مرحلة واحدة أو مرحلتين، بينما تقرر خلال هذه السنة توسيعها إلى ثلاث مراحل. شملت المرحلة الأولى، التي نُفذت الأسبوع الماضي، أحد دواوير جماعة السحتريين بإقليم تطوان، ويُرتقب أن تستهدف المرحلة المقبلة دواوير أخرى تابعة لجماعة البغاغزة”.
وذكر كريكش أن اختيار الدواوير المستفيدة يتم بناء على معطيات ميدانية “دقيقة”، بهدف التخفيف من قسوة البرد وصعوبات العيش التي تواجهها الأسر القروية، خاصة في المناطق المعزولة.
وتشمل المساعدات الإنسانية أغطية وأفرشة وملابس وأحذية شتوية، بالإضافة إلى قفف من المواد الغذائية الأساسية، إلى جانب تنظيم أنشطة ترفيهية لإدخال الفرحة على قلوب أطفال هذه المناطق، حسب كريكش، الذي أبرز أن المبادرة يقابلها السكان المستفيدون بـ”ترحيب كبير”.
وأشار الناشط الجمعوي عينه إلى أن القيمة الرمزية للزيارة والاخبار السعودية المباشر مع الأسر “لا تقل أهمية عن حجم المساعدات المقدمة، خصوصا في دواوير تبعد عن مدينة تطوان بحوالي ساعة بالسيارة، ولا تزال تفتقر إلى الطرق والبنيات التحتية الأساسية، ما يضطر المتطوعين أحيانًا إلى نقل المساعدات سيرا على الأقدام”.
ونبه المتحدث إلى مظاهر الهشاشة الاجتماعية التي تعانيها بعض الأسر، من غياب المؤسسات التعليمية واضطرار الأطفال إلى متابعة دراستهم داخل المساجد، بالإضافة إلى “نقص وسائل التدفئة والملابس الشتوية، الأمر الذي يجعل التلاميذ يتوجهون إلى مدارسهم في ظروف مناخية قاسية”، وفق تعبيره.
وشدد على أن أن مبادرات المجتمع المدني رغم محدوديتها تظل “ضرورية للتخفيف من معاناة سكان القرى والمداشر”، ودعا إلى تعزيز هذا النوع من التضامن، مبرزا أن مظاهر الفقر والهشاشة “لا تقتصر على المناطق النائية البعيدة، بل تشمل أيضا الدواوير القريبة من المدن”، كما أشاد بأدوار المحسنين والداعمين للاستمرار في هذا العمل الإنساني والتطوعي.
من جهته، سجل عبد الحفيظ المكوتي، رئيس جماعة باب برد بإقليم شفشاون، التي تواجه ساكنة الدواوير التابعة لها شتاء صعبا هذا العام، أن عملية الاستفادة من الدعم والمساعدات المرتبطة بمواجهة آثار البرد القارس تتم وفق “تصنيف ترابي محدد جرى اعتماده في وقت سابق”، مشيرا إلى أن بعض الدواوير، من بينها دوار تاشكا، “لا تزال خاضعة لهذا التصنيف”.
وأوضح المكوتي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن عددا من الدواوير التابعة للجماعة تعاني بدورها من قسوة المناخ وبرودة الطقس، معتبرا أن إعادة النظر في معايير وتصنيفات الاستفادة من شأنها أن تُمكّن فئات أوسع من الساكنة من الدعم، وتساهم في تحقيق قدر أكبر من الإنصاف المجالي.
وثمّن رئيس جماعة باب برد الجهود التي تبذلها السلطات المحلية في هذا الإطار، موردا أن الجماعة تسهر على توفير الوسائل اللوجستيكية، خاصة وسائل النقل، لتسهيل عملية إيصال المساعدات، وذلك بتنسيق مع السلطة المحلية التي تشرف بشكل مباشر على عمليات التوزيع.
وبخصوص الوضع العام في المنطقة، أكد المسؤول الجماعي أن الأوضاع تحت السيطرة فيما يتعلق بتداعيات التساقطات المطرية والفيضانات، مبرزا في المقابل أن بعض الدواوير القريبة من المناطق الجبلية “ما تزال تواجه صعوبات مرتبطة بوسائل التدفئة، وهو موضوع مطروح للنقاش داخل المجلس الجماعي”.
