اخبار المغرب

العملات المستقرة والذكاء الاصطناعي يسرعان “ثورة المدفوعات”

الذكاء الاصطناعي وتقنية “البلوكتشين” (Blockchain)، والاستخدام الذكي للبيانات؛ كلها تطوراتٌ تعيد كتابة قواعد التجارة العالمية. وفي منطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، يقُود الابتكار التكنولوجي، وتطور سلوك المستهلك، والتعاون بين القطاعين العام والخاص “تحولات جذرية” في كيفية تفاعل الناس مع العالم، بما في ذلك طرق الدفع (الأداء) والتحصيل.

ذلك ما أبرزه طارق محمود، الرئيس الإقليمي لشركة “فيزا” في منطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا (CEMEA)، في مقالة عن “التوجهات الرئيسية للمدفوعات في عام 2026″، توصلت بها هسبريس، مؤكدا أنه “مع مطالبة الناس بتجاربَ أسرع وأكثر أمانا وسلاسة، تدخل المنطقة مرحلة محورية في كيفية إجراء عمليات الدفع واستلام الأموال”.

المسؤول الإقليمي ضمن قيادة الشركة العالمية الرائدة في مجال المدفوعات الرقمية، رسَم توجهات السنة الجارية، “بدءا من تدفقات المدفوعات بين الشركات (B2B) وصولا إلى المحافظ الرقمية والتجارة متناهية الصِّغَر، حيث ستستمر طرق الدفع الجديدة في التوسع، مما يجعل عام 2026 عاما محوريا لمستقبل المدفوعات”.

طفرة نوعية

تعمل “العملات المستقرة” (Stablecoins) -وهي عملات مشفرة مدعومة بعملات ورقية-على تحويل الأصول التي كانت تاريخيا قائمة على المضاربة إلى “بنية تحتية موثوقة” للمدفوعات العالمية. وقال طارق محمود في هذا الصدد إن “إمكانات هذه العملات هائلة في تكملة منظومة المدفوعات العالمية الحالية، خاصة بالنسبة للأسواق الناشئة والمدفوعات عبر الحدود”.

وشرح أنه في مناطق مثل إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، “حيث لا تزال تكلفة التحويلات المالية من بين الأغلى عالميا، توفر العملات المستقرة وسيلة أسرع وأرخص لنقل الأموال”.

وتصل المدفوعات عبر الحدود بالرموز المدعومة بالدولار الأمريكي إلى المستلمين بشكل فوري تقريبا، مع رسوم أقل ومخزن قيمة أكثر استقرارا”.

وأضاف: “في شركة فيزا، نساعد في تسريع هذا التحول عبر دمج تسويات مدعومة بالبلوك تشين في الأنظمة المالية الواقعية. ومن خلال شركاء مثل Aquanow، نتحرك نحو تسوية فعلية على مدار 365 يوما لتلبية الطلب المتزايد. وفي الوقت ذاته، تعمل الأطر التنظيمية الناشئة في منطقة CEMEA على تعزيز الابتكار، مما يمكن المؤسسات المالية من توسيع نطاق حالات الاستخدام الواقعية. ومستقبلا، ستعمل السياسات كمحفز للابتكار المزدهر بفضل التنظيمات المتوافقة”.

تجارة الوكلاء

وفق ما أوضحه المسؤول الإقليمي ذاته في “VISA”، “لقد انتقلنا من التجارة وجها لوجه إلى التجارة الإلكترونية، ثم التجارة عبر الهاتف المحمول، والآن ننتقل إلى التجارة المعتمدة على الوكلاء، حيث يقوم وكلاء برمجيُّون بالتعامل نيابة عن المستهلكين والشركات. وفي عام 2026، سيصبح التسوق المدعوم بالذكاء الاصطناعي واقعا ملموسا، وستتبعه التجارة المعتمدة على الوكلاء بشكل طبيعي”.

وأكد أنه “عندما نتخيّل وجود زرّ ‘اِشْترِ لي’ داخل تطبيق ChatGPT الخاص بك. عند تفعيله، تحدُث ثلاثة أمور:

تمكين المدفوعات: تزويد الوكلاء بتفاصيل دفع مشفرة (Tokenized) وموثقة لضمان أمن المعاملات.

تخصيص التفضيلات: يتكيف الوكلاء مع أنماط تسوقك لمعرفة الخيارات التي تناسب احتياجاتك.

التحكم في الإنفاق: يضع المستهلكون القواعد، مثل تقييد الإنفاق بحدود معينة أو فئات محددة.

وأكد أن “فيزا” توفر “حاليا البنية التحتية لتمكين هذا التطور. وقد أعلنّا مؤخرا عن تعاون استراتيجي مع ‘الدار’ لإتمام أول عملية دفع معتمدة على الوكلاء ومفعلة صوتيا بالكامل في المنطقة، مما يبسط المعاملات الروتينية عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي. ونواصل العمل مع البنوك المصدرة والتجار لتوسيع نطاق هذه الحقبة الجديدة”.

“سرقة الهويات”

“بينما يقُود الذكاء الاصطناعي تجارة أذكى، فإنه يفتح الباب لمخاطر جديدة”، يقول طارق محمود، لافتا إلى أننا “نَنتقل من حقبة ‘سرقة المعاملات’ إلى حقبة ‘سرقة الهويات’، حيث يستخدم المحتالون الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء ‘تزييف عميق’ (Deepfakes) وهويات اصطناعية. وفي الوقت نفسه، تبلغ تكلفة الرفض الخاطئ (للعمليات المشروعة) مليارات الدولارات سنويا’، وفق ما أفاد به.

وفي تقديره، “هذا يتطلب موازنة دقيقة بين التجربة السلسة والأمن القوي. تُظهر بياناتنا أن 97% من المستهلكين في منطقة CEMEA اتخذوا تدابير لتأمين مدفوعاتهم، لكن هذه اليقظة يجب أن تزداد. ستتطلب محاربة الاحتيال أدوات متطورة في 2026، مثل المصادقة البيومترية (بصمة الإصبع أو الوجه) كبديل لكلمات المرور، ونماذج مخاطر الذكاء الاصطناعي لكشف الأنماط المعقدة. ولن تنجح هذه المعركة دون تعاون بين البنوك والتكنولوجيا المالية والتجار والحكومات”، بتعبيره.

وداع الدفع اليدوي كزائر

لقد ولّت أيام البحث عن المحافظ وكتابة أرقام البطاقات الـ16 يدويا. يتم استبدال ذلك بالمصادقة المعتمدة على التشفير (Tokenized) والقياسات الحيوية، مما يضمن الراحة والأمان.

بحسب معطيات رسمية قدمتها “فيزا”، لقد انخفضت عمليات الدفع اليدوي كزائر من نصف معاملات “فيزا” في 2019 إلى 16% فقط في 2025.

هذا التبسيط يقلل من حالات “التخلي عن سلة التسوق” ويزيد رضا المستهلكين. وضرب مثالا بالأردن حيث يجد 47% من المستهلكين صعوبة في إدخال تفاصيل البطاقة بشكل متكرر، “مما يؤكد الحاجة لخيارات دفع مبسّطة”.

النقد في 2026

بدأ المنحنى يميل لجذب المزيد من الناس إلى المنظومة الرقمية، ويُتوقع أن يكون عام 2026 هو “العام الأول تاريخيا الذي يتم فيه سداد نصف مدفوعات المستهلكين عالميا عبر البطاقات”.

وفي منطقة “CEMEA”، انخفضت حصة النقد من الإنفاق الشخصي من 80% إلى 60% في خمس سنوات فقط. وتعمل الجهود المشتركة على رقمنة “المِيل الأخير” من المعاملات الصغيرة، لضمان حصول الجميع-بمن فيهم من لا يملكون حسابات بنكية-على نقطة دخول آمنة للاقتصاد الرقمي.

الحاجة إلى المرونة أكثر إلحاحا

وفق المسؤول الإقليمي لـ”فيزا”، نحن في عصر “التخصيص الفائق” (Hyper-personalization)، حيث يجب معاملة كل زبونٍ كـ”قطاع مستقل” (Segment of One). وتسمح تقنيات مثل التشفير (Tokenization) للمؤسسات بتحليل التفضيلات مع حماية الخصوصية، “لكن التخصيص يتطلب مرونة؛ فالمستهلكون مستعدون لتغيير بنوكهم من أجل تجربة رقمية أفضل، والرابحون هم من يطرحون ميزات جديدة في غضون أسابيع لا شهور”.

ومع توسّع تعريف “البائع” ليشمل ملايين صناع المحتوى والتجار الصغار، تبرز الحاجة لبنية تحتية حديثة تعتمد على السحابة (Cloud-native) والخدمات المصغرة (Microservices) لضمان السرعة والقابلية للتوسع. “المؤسسات التي ستستثمر في إصلاح الأنظمة القديمة هي التي ستبني علاقات دائمة في 2026 وما بعده”، والتأكيد هنا لطارق محمود، الرئيس الإقليمي لشركة “فيزا” في منطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.

في المحصلة، أوضح المسؤول عينه أن “هذه التوقعات هي مجرد البداية؛ ففي عام 2026، ستشكل الرقمنة السريعة مشهدَ أداء رقمي أكثر ذكاء وشمولا وبلا حدود فعليا”.