الهامش يتحول إلى “مركز السرد” في التجريب القصصي

في الكتابة التي ينسجها الكاتب والقاص المغربي سعيد منتسب، لا ندخل عالما سرديا جاهزا، وإنما نعبر عتبة ارتجاف طويل، حيث الكلمة لا تستقر في معناها، وحيث الشخصية لا تكتمل إلا لتنكسر من جديد. نحن إذن، أمام كاتب يشبه رساما يلوّن الهامش ويترك المركز عاريا، يكتب كما لو أنه ينصت إلى طفل داخلي يرفض أن يهادن العالم، ويصرّ على فضح ارتباكاته الأولى. من ” تشبه رسوم الأطفال” إلى” جزيرة زرقاء”، ومن “طائر أبيض بأجنحة مؤقتة” إلى “ضرع القنفذ”، ومن “حساء بمذاق الورد” إلى “نزال على جسر مائل”، وصولا إلى “قبو إدغار آلان بو” ولا أحد يدنو من روني زيلويغر”… تتشكل خرائط نصية لا تقود إلى يقين، وإنما إلى أسئلة تتوالد في الظل.
وهذا الحوار على جريدة هسبريس الإلكترونية، ليس مجرد مساءلة لكاتب عن تقنياته، فهو اقتراب من مختبر داخلي تتجاور فيه الطفولة بالعنف والهشاشة بالمقاومة والسياسي بالهمس والقلق باللغة. والكاتب سعيد منتسب، يكتب بالطفل لا بوصفه موضوعا رومانسيا، وإنما باعتباره موقفا معرفيا من العالم، يكتب من منطقة التماس بين الجرح والمعنى، بين ما يُعاش وما يُعاد تخييله، بين السيرة والاحتمال. ولا تمشي شخصياته في الضوء الكامل، وإنما تعيش على الحواف، تحمل السياسي في أجسادها، وتقاوم الاختزال بإصرارها على التعقيد.
في هذا اللقاء على هسبريس، نقترب من رؤيته للقصة القصيرة كفن للصدع أكثر مما هي فن للحكاية، كمساحة مقاومة لضغط السرعة والخطابات المهيمنة، كاستعارة كبرى للارتباك. ونلامس فهمه للعنوان باعتباره فخا دلاليا لا خارطة طريق، وحواره العميق مع أسلافه في الأدب العالمي بوصفه تفاعلا لا تبعية، وإعادة تركيب لا استحضارا احتفاليا. ونستمع إلى قلقه بوصفه طاقة كتابة وإلى عزلة يراها شرطا للفهم، لا عزوفا عن العالم.
وهذا الحوار هو عبور داخل لغة ترى في الهامش مركزا، وفي الشك فضيلة، وفي الانكسار مدخلا إلى معنى قابل للانكسار من جديد. وهو اقتراب من كاتب لا يبحث عن أجوبة مريحة، بقدر ما يحرص على إبقاء النص مفتوحا، متوترا، يقظا، كأنه يكتب دائما على جسر مائل، فوق هاوية الأسئلة التي لا تنتهي.
شخصياتك تبدو وكأنها تعيش على حافة العالم، لا تنتمي بالكامل إلى الواقع ولا تنفصل عنه. من أين تأتي هذه الشخصيات؟ هل هي نتاج مراقبة خارجية، أم امتداد لسير ذاتية متشظية تعيش داخلك؟
لا أكتمك أن شخصياتي هي جزئي المتعدد الذي يولد من احتكاك الذات بسياقاتها الثقافية والتاريخية والاجتماعية والرمزية. والشخصيات لا تظهر كيفما اتفق، لأنها تتحقق عبر التجربة الحية، سواء عبر الاشتباك المباشر مع الآخر، أو من عبر التوغل في مسارب الذاكرة والتخييل. ولذلك، فشخصياتي، رغم عجائبيتها اللافتة، نتاج وعي يرى العالم شبكة علاقات وقوى وخطابات. وهذا هو الدم الذي يسري في نصوصي.
فإذا كانت الكتابة، كما أفهمها، هي ممارسة التفكير في الواقع (الصلب والسائل) بوسائط سردية تخييلية، وتحويل التفاصيل العابرة إلى مؤشرات على تحولات أعمق في بنيات المعنى، فإن شخصياتي تولد من هذا الاشتغال على المرئي والمضمر لإنتاج أثر ثقافي قابل للتأويل ما دمت أطمح إلى قول شيء ما بواسطة “التشظي” وإخلاف التوقع، أو عبر نشر المرايا (بكل هيآتها وأبعادها) في كل أركان النص. فمن هذا التشظي الداخلي، إذن، تنبع الشخصيات بوصفها صيغا متعددة للوعي، ومحاولات لفهم موقع الإنسان داخل منظومات سلطوية تضبط سلوكه وتعيد تشكيل أحلامه ومخاوفه. وربما هذا هو الذي يجعلها تعيش حياة كاملة دائما على الحواف. شخصيات لا ملامح لها، ولا يقين. في المجمل هي شخصيات حيوانية أو خرافية أو أدبية أو سينمائية، وأحيانا شخصيات مقتطعة من سيرتي الذاتية أو من تخييلي الذاتي.
الحقيقة أن شخصياتي مفكر فيها بعمق، وتشبهني كثيرا، حتى في أعطابها وهشاشتها وأحلامها، كما أرى أنها تمارس نوعا من المقاومة الصامتة عبر إصرارها على الاحتفاظ بتعقيداتها في عالم يفضل الاختزال والانكماش والامتثال، ويتحيز إلى “النماذج المقولبة” سلفا. شخصياتي تدافع، كل واحدة من زاويتها، عن تعددها في سياق يميل إلى التصنيف. ولهذا أستطيع القول إنها أجساد تفكر، وذاكرات تمشي، وأسئلة تتحرك، ومصائر تتمرد، وتوترات تترجم العصر كله.
ومن هذا الأفق تولد شخصياتي، أي من التجرية واللغة والخيال والاحتمال والشك، ولهذا سوف تلاحظ بأنها لا تولد كاملة، ولا تأتي من قرار مسبق. إنها تظهر كما تظهر فكرة مزعجة في الذهن. ذلك أن ما أراه وأحسه وأفكر به، لا يهمني إلا بقدر ما يوقظ شيئا خامدا في داخلي ويدفعني نحو الكتابة دون أن أبدي أي مقاومة.
بهذا المعنى، فشخصياتي، حتى الحيوانية منها، مناطق تماس بين الخارج والداخل، بين ما يحدث فعلا وما يُعاد تخييله نفسيا. ومن هنا يمكن القول إنها جزء من لحم سيرتي الذاتية، ولا ينبغي أن يُفهم هنا أنني أكتب حياتي، فالأصح في رأيي أنني أكتب الاحتمالات التي لم أعشها وألاحق المخاوف التي لم أسمها، وانكسارتي التي تعزز انتمائي إلى الحواف.
في كثير من قصصك، لا يحدث “الحدث” بقدر ما يحدث الانكسار الداخلي. هل ترى القصة القصيرة بوصفها فنا للصدع النفسي أكثر من كونها فنا للحكاية؟
في نصوصي، سيحدث دائما ما ينبغي أن يحدث. القصة لا تحتاج حرفيا إلى حدث جاهز، بل تحتاج إلى شرارة تقدح في الحواس. لحظة توتر قصوى تحول “الشيء القصصي” إلى ذريعة قابلة للسرد وقول ما ينبغي أن يقال قصصيا. ولهذا ما يهمني أثناء الكتابة هو الصدوع التي تتشكل منها الدراما الحقيقية؛ وأعني بالصدوع الوعي بطبقات الكلام، ثم الاشتغال على الإيماءة والفراغ والصمت والحذف والتطريس، والالتفات الارتيابي في الكلمات والجمل والإيقاعات. ومن هنا يتحول “الحدث القصصي”، الذي أميل إليه، إلى بناء سحري أشبه ما يكون بإخراج أفيال من قبعة. ذلك أن الحدث لا يقع إطلاقا في الفضاء الخارجي. كما الزمن يتكثف، والمكان يتقلص، بينما تتسع مساحة التفكير والارتباك والشك.
وهل يمكن النظر إلى هذا الفهم بوصفه خروجا عن “الحدث”؟ لا أرى ذلك على وجه الإطلاق. ذلك أن الحدث الأكبر الذي يواجه الإنسان المعاصر هو الانكسار الداخلي وتلاشي السرديات الأخلاقية الصلبة في هذه اللحظة السائلة التي نعيشها. أين هو الحدث الذي يمكن أن نثق به إذا كانت القصة القصيرة مجرد مساحة مقاومة لضغط السرعة، وضغط التوقعات الاجتماعية، وضغط الخطابات المهيمنة حول النجاح والهوية والمعنى؟
إن الحكاية، بهذا المعنى، تعيد التفاوض مع صورتها الجديدة عن نفسها وهي تصطدم بفراغاتها وانكساراتها وأعطابها (اللاتسلسل، التشظي، اللايقين، اللااتساق..). لهذا تبدو قصصي منشغلة بما يتكسر في الداخل أكثر مما يقع في الخارج، لأنني أرى في هذا الكسر على مستوى اللغة والبناء والحبكة، وحتى على مستوى الواقع، مدخلا لفهم الإنسان في لحظته الراهنة. نحن نعيش داخل شبكة معقدة من الرغبات والمخاوف والتمثلات، ومن الطبيعي أن تتحول القصة القصيرة، شئنا ذلك أم أبينا، إلى فن حاضن للصدوع (التعري والخروج عن النظام). لم تعد القصة تملك ترف الحكاية إلا إذا كانت ممتلئة عن آخرها بالكسور.
يشتغل نصك على التوتر بين البراءة والعنف، بين الطفولي والمأساوي. لماذا هذا الإصرار على إعادة العالم إلى هشاشته الأولى؟ وهل ترى في الطفولة شكلا من أشكال المقاومة السردية؟
لا أعتقد أن الطفولة، في نصوصي، موضوع رومانسي. في كل مجموعاتي تقريبا، منذ “تشبه رسوم الأطفال” إلى “سوق الساعات” (العمل الذي سيرى النور قريبا)، أكتب بالطفل؛ أولا: لأن الأطفال لا يبررون العالم بدل يفضحونه، ويشيرون بوضوح إلى ارتباكاته. هذا يهمني كثيرا. ثانيا: لأنني أعتبر الاتكاء على السارد الطفل انغماس كلي في لحظة الاهتزاز التأسيسية التي تتكون فيها علاقتنا الأولى بالعالم (اللغة والأحاسيس والأشياء والخيالات). تلك اللحظة التي نتعلم فيها، من دون وعي نظري، أن العالم مساحة غير مستقرة، وأن المعنى قابل للانكسار في أي لحظة، بعيدا عن الأوهام التي يصنعها الخطاب الراشد حول العقلانية والصلابة والسيطرة، وخارج التبريرات الأيديولوجية والتكييفات الاجتماعية.
وفي نصوصي، الطفولة حالة تسمح له بأن أعيد طرح أسئلة بسيطة في ظاهرها، مقلقة في عمقها: (لماذا يحدث هذا؟ لماذا نقبل به؟ لماذا نصمت؟). معنى ذلك أن الطفولة انتباه حاد وحساسية مفرطة، وقدرة عارمة على التسلل إلى التفاصيل الصغيرة، وعبرها تستعيد الكتابة حق الكائن في الارتباك والاعتراض، وفي الألم غير المؤدلج.
بهذا المعنى، أرى الكتابة بالطفل موقف من العالم لا براءة فيه، لأنه يرتبط بالارتياب في فكرة “النضج” نفسها. إذ أن كثيرا مما يُسمى نضجا ليس سوى ترويض طويل للهشاشة، وتدريبا على التكيف مع اللامعقول، وتعلما للصمت أمام ما يستحق الرفض، أي أن النضج ركوع أمام سلطة ما، سواء أكانت سياسية أم ثقافية أم أخلاقية. ومن هنا فالطفولة لغة موازية تسمح بإعادة النظر في العالم من زاوية أقل تواطؤا مع عنفه..
السياسي في قصصك لا يأتي كشعار، بل كاختناق، كظل، كخوف غير مسمّى. هل تعمدت تفكيك السياسي من خطابه وتحويله إلى أثر نفسي؟ وأين تقف حدود التزام الكاتب في هذا السياق؟
لسنا محصنين ضد السياسة. ليس بوسع أحد أن يدرك ذلك. ولهذا السبب، تتسلل السياسة إلى كل شيء (الجسد واللغة والذاكرة)، كما بوسعها أيضا أن تقتحم القصة القصيرة. لا تهمني السياسة كموقف إيديولوجي أو شعار أخلاقي. ما يهمني هو الطريقة التي تستقر بها داخل المتن القصصي، أي كيف يمكنها أن تترجم توترات الواقع بمسميات وأقنعة أخرى متعددة. وبمعنى آخر كيف يتحول السياسي إلى اختيار جمالي وموقف معرفي. ذلك أن الخطاب السياسي، في كثير من تجلياته، يشتغل بمنطق التعبئة والتصنيف والبيانات والتصريحات، بينما التجربة الفعلية للعيش داخل شروطه تكون أكثر تعقيدا والتباسا وتناقضا، لأنها تمثل الحياة بكل آثارها الثقافية والاجتماعية والنفسية واللغوية.
عطفا على ذلك، فالشخصيات في قصصي، حتى وإن كانت حيوانية أو خرافية، تحمل السياسي في أجسادها قبل أن تحمله في مواقفها، في طريقة جلوسها، في اختيار كلماتها، في علاقتها بالفضاء العام والخاص، مما يسمح لي بإزاحة مركز الثقل من الحدث السياسي إلى أثره الوجودي، مع تلك الرغبة في الاختفاء أو في التمويه. هنا يصبح “العجائبي” جزء من البنية السياسية للكائن، وليس فقط اختبار جمالي.
لن أقول مع بيسوا: ” لا أنتمي إلى شيء، لا أشتهي شيئا، لست بشيء”. ومن هنا، فالتزامي السياسي مرتبط بالصدق المعرفي والجمالي أكثر من ارتباطها بالاصطفاف الإيديولوجي. كما يتمثل في رفض التزييف، ومقاومة الاختزال، والدفاع عن التعقيد، ورفض تحويل الألم إلى مادة دعائية، وأيضا في الاشتغال بالتجريب ليظل الصوت الداخلي مكسورا، دون أن يصادر “الحزبي” أو “الإيديولوجي” باسم قضية كبرى أو شعار تم ترتيبه في الظل.
من هنا، أرى أن كاتب القصة لا ينظر إلى العالم من الخارج ليحاكمه، بل يكتب من داخل ارتباكاته وتناقضاته، محاولا أن يمنح هذا الارتباك شكلا أدبيا قابلا للتداول المعرفي أو الثقافي.
نلمس حضورا قويا للقلق، للعزلة، وللشخصيات التي تواجه نفسها أكثر مما تواجه العالم. هل تكتب من منطلق سؤال نفسي عن الإنسان المعاصر، أم من إحساس وجودي بفقدان المعنى؟
لا تستقيم الكتابة دون قلق. كل ما أكتبه وراءه قلق ما. القلق هو ما يفرغ الإطارات الصلبة من قوتها، بما فيها الإطارات الأدبية. لذلك أعتبر أن نصوصي مشغولة جدا بالالتفات في وجودها، على مستوى اللغة والموضوعات والمرجعيات. كما لا ينبغي ألا ننسى أن العالم لم يعد يقدّم نفسه بوضوح، أو على الأقل لم يعد يوهمنا بأنه يفعل ذلك. ومن ثم، لا يمكنني الاسترخاء أو الكتابة من زاوية أخرى غير القلق بوصفه دينامية لتبديد الواقع الضبابي بكل إشاراته الظلية المتناقضة.
أما العزلة، فهي قدر الكاتب وخادمته، وربما هي وجهته الجميلة لمحاولة للفهم، والعثور على ما يليق باللايقين الذي يسيطر على وجودنا. حين أواجهها أو أنغمس فيها أو أستظل بها، فهذا معناه أني أبحث عن صيغة محتملة للعيش وسط هذا الفقدان العام للمعنى.
في كل نصوصي تقريبا، أستدعى القلق والعزلة واللايقين من داخل التجربة، أي من الحيز الممتلئ بالشك في البدائل التي يطرحها عصر يهيمن عليه الامتلاء الظاهري والفراغ العميق والمنظومات الضاغطة. ما يهمني في الكتابة الآن، وحتى في القراءة، هو الحديث الهامس مع التفاصيل والمفارقات و”اليقينيات”، ذلك أن الحياة كما نعيشها تجري في اتجاهات كثيرة من دون مركز واضح. وهذا ما ينبغي أن تعكسه الكتابة التي أنظر إليها الآن من زاوية ارتباطها بتآكل الدلالة على جميع المستويات.
نصوصي، كلمات أفهمها، كانت دائما محاولة لاختراع “لغة خاصة” أو “إدراك خاص” وسط ضجيج الصور والخطابات والتوقعات. وربما لهذا السبب، أكتب دون أن أطالب النص بأن يكون سعيدا، ودون أن أنظر إليه انطلاقا من تشخيص نفسي يضعه على نحو مسبق في دائرة التشظي، أولا لأنني لا أؤمن بنص يعاني من الانفصال المتزايد عن سياقه، وثانيا لأنني أعي بأن الأدب عموما، والسرد خصوصا، مساحة لإعادة بناء معنى يقوم على القابلية للانكسار..
عناوين مجموعاتك ليست عتبات تفسيرية بقدر ما هي فخاخ دلالية. كيف تولد العناوين لديك؟ هل تأتي قبل النص باعتبارها بوصلة، أم بعده باعتبارها خلاصة ملغزة؟
العنوان عندي لا يسبق النص إلا نادرا. غالبا ما يأتي بعد تجريب الكثير من العناوين، لأنني لا أعتبره أثرا جانبيا في أي كتابة، بل يمكنه أن يكون (وينبغي له) الوحدة التي تحتشد فيها كل أجزاء النص ومقاصده. فالنص يكتب نفسه، ثم يتركني أمام فراغ صغير عليّ أن أملأه بشيء ما. أحب العناوين التي تضلل قليلا، ولهذا فعناويني سريالية إلى حد ما. العنوان الجيد، في نظري، لا يثرثر كثيرا، بل يجعلك تطل على ممكنات أخرى قد لا توجد في النص. لذلك أتعامل معه كاختبار دلالي: من يدخله يظن أنه فهم، لكنه في الحقيقة يبدأ ما إن يقرأه في الشك، وفي بناء الاحتمالات.
إذا قرأنا مثلا عناوين مثل: (تشبه رسوم الأطفال؛ جزيرة زرقاء؛ طائر أبيض بأجنحة مؤقتة؛ تماسيح مصممة لقول شيء ما؛ ضرع القنفذ؛ حساء بمذاق الورد؛ نزال على جسر مائل.. إلخ)، فإننا سندرك أن العنوان لا يمكنه أن يكون خارطة للطريق، لأن كل العناوين مشحونة بالمعنى والفراغ في آن واحد، مما يجعلها مفتوحة على على طبقات أخرى من القراءة، ومن كشف المرجعيات. كل عنوان يطرح مسافة بين القارئ والنص. ومن ثم، فالعنوان اختبار للقارئ وتفخيخ للانصياع للمعنى السهل.
تستحضر في بعض أعمالك أسماء وأجواء من الأدب العالمي، كما في “قبو إدغار آلان بو”. هل هذا حوار مع الأسلاف، أم محاولة لإعادة كتابة القلق الإنساني بلغة محلية؟
لا شك أن فعل الكتابة ينبني في المقام الأول على علاقة الكاتب بذاته، وبما يقرأ ويكتب. لا شيء يأتي من فراغ، ولا وجود للأصل على وجه الإطلاق. الكتابة تقوم على الاستبضاع، وعلى التفريغ الخائن لما سبق، أي على الإضمار والإخفاء والتطريس والحذف والاختزال. وبهذا المعنى، فنحن جميعا قادمون من نصوص رافقتنا طويلا، أي أن كل تجربة كتابية جديدة تنبع من تراكم معرفي وجمالي، ومن إدراك بأن الأدب كيان مفتوح يتغذى من تنوع مصادره وتجاوز الحدود دون أن يفقد جذوره.
هكذا أفهم حضور النصوص الغربية داخل تجربتي المتواضعة: من الضروري الإصغاء إلى النصوص التي أرى أنها جوهرية في تكويني، والتمكن من آلياتها، وإعادة تركيبها داخل سياق محلي متحرك، ولا يتعلق الأمر هنا باستحضار الأرواح قدر رغبتي في الحوار وتوسيع الأفق والتفاعل مع النصوص التي تراكمت في ذاكرتي، تلك التي لا يمكنني الفكاك منها، لأنها جزء مني (نصوص عربية وأمازيغية وأوروبية وآسيوية وأميركية لاتينية)، مما يؤكد أن الأدب تجربة كونية تتشكل من تداخل الأصوات والذاكرات واللغات.
أما اختياري للقبو في كتابي القصصي “قبو إدغار ألان بو “، فهو مجرد خلفية سردية أو “حافز سردي” للحديث عن ظلماتنا الداخلية، ولا علاقة للأمر بتكريم الأسلاف أو الانصهار في إرثهم الأدبي. القبو هنا يعمل كاختيار جمالي واع، لما يحمله من طاقة رمزية وتخيلية تسمح بتوسيع أفق السرد وتجديد مساراته. فهذا الفضاء، بما يختزنه من ظلال وعتمة وذاكرة وأسرار، يتحول إلى مختبر سردي تُختبر داخله الشخصيات، وتُفكك عبره علاقتها بالخوف والعزلة والذاكرة والهوية. ولهذا نقرأ في هذا الكتاب أقباء أخرى: (قبو موديغلياني؛ قبو ملك قرطاج؛ قبو سفالبارد؛ قبو ماريو بنيديتي؛ قبو دوستوفسكي؛ قبو القاتل الأعمى..). أما في المستوى البنائي، فيؤدي القبو وظيفة تنظيمية داخل النصوص، إذ يسمح بتدرج المادة الحكائية وتنوعها، وبتركيب مستويات متعددة من الحكي، تتراوح بين الاسترجاع والتداعي والاعتراف والتخييل.
النصوص في أعمالي القصصية كلها تقريبا تتكلم بلغتين: لغة الأدباء والمفكرين والفلاسفة والعلماء الأسلاف، ثم لغتي الخاصة (اللغة والذاكرة والهوية)، مما يجعل الكتابة “ملتقى” تتجاور فيه الأصوات وتتقاطع الأزمنة وتتولد معان جديدة. يحضر بورخيس، كما يحضر كورثتار وكارفر وكالفينو وكارودنا.. إلخ. ولهذا أستطيع القول إن ثمة أشباح كتّاب وكتب، وثمة ترسبات حكائية لا بد من فحص دقيق لمعرفة عناصرها المورفولوجية، وهذا هو التحدي الذي تطرحه القراءة.
في بناء شخصياتك، يبدو أنك تمنح الهامش مركز السرد، وتُسكت الأصوات الواثقة. هل ترى أن الكتابة القصصية اليوم هي كتابة ضد الطمأنينة، وضد الشخصيات المكتملة؟
كانت الكتابة القصصية ولاتزال ضد الاكتمال، ولا ينبغي أن ننسى أن هذا الجنس لا ينتمي إطلاقا إلى أي نظام مغلق. القصة تثير الأسئلة وتسمح بالاختراق، وهي لهذا السبب تنتمي إلى الهامش لأنها مبنية على الاحتمال. جنس قلق يمنح الهامش مركز السرد. لا شيء مكتمل. تجريب وتخريق وبحث وملاحقة مستمر للإمكان. لهذا، تعمل نصوصي القصصية على قلب المتوقع، على تحويل الهامش إلى مركز (الهشاشة؛ اللحظات العابرة؛ الشخصيات المشوهة؛ الأشياء المهملة أو المنسية؛ فضاءات العبور؛ الأمكنة المتخيلة…إلخ). كما أن كل شخصية تحمل مساحة فراغ على الكتفين، وتتحرك بين الحواف، بين الارتباط بالعالم والانفصال عنه. لا وجود للأصوات الواثقة. كل ما هنالك هو الهامش الذي يضاعف المعنى ويمنحه كثافته.
بهذا، تتحول القصص إلى مختبرات للارتجاف، حيث يصبح الهامش أكثر صدقا من المركز. وبهذا المعنى، فالهامش ليس مكانا بالضرورة، بل منطقة ظل دون بطولات مصطنعة أو نهايات مريحة؛ هو صيغة مؤقتة للتوازن. ففي القصة تتعلم اللغة نفسها التواضع، وتتخلى عن نبرتها الخطابية، لتصير أقرب إلى همس طويل، لأننا نكتب من منطقة التماس بين الجرح والمعنى. اللغة تصبح هامشا، كما الشخصيات والأمكنة والحبكات. لا شيء ثابت، ولا اهتمام بالبحث عن المراكز.
من داخل هذا المختبر المفتوح، تعيد القصة تعريف المركز والهامش. إذ أن كل شيء كان صاخبا يتراجع إلى الخلفية، وتبرز في الواجهة تلك التفاصيل الدقيقة التي كانت تمرّ دون انتباه، وذلك عبر تفكيك جميع المسلمات التي احتشدت في أفقنا الفكري والأخلاقي، وتحويل الهشاشة إلى حساسية سردية..
كتابتك عن ممثلة أمريكية شهيرة في حلقات متعددة تفتح أفقا مختلفا داخل مشروعك. ما الذي جذبك إلى هذه الشخصية؟ هل هي افتتان بالسينما، أم بحث عن صورة أنثوية متصدعة خلف بريق الشهرة؟
ما جذبني إلى الممثلة “روني زيلويغر” هو حضورها العارم في فيلم “الجبل البارد” للمخرج أنتوني مانغيلا. لم تثرني الممثلة الرئيسة (نيكول كيدمان) بذلك القدر. تراجعت “آنا” لصالح “روبي”، وتراجع “إنمان” أمام “ستيفن”، فحضرت الرسائل. ولهذا أزعم بأن أحداث الفيلم مجرد خلفية سردية لممارسة تشويه الأصل. في الرسائل نعثر على الانكسارات الصغيرة التي تفتك بتماسك الجنود في الجبهة. كما نكتشف كيف يمكن أن نحول الحرب إلى أداء فني غير مسبوق، وكيف يمكن للإنسان أن يفرط في إنسانيته وسط الخراب.
الكتابة عن “زيلويغر”، اقتضى مني مشاهدة أفلامها الأخرى. ذلك أنني حاولت أن أحول “الرسائل”- التي بلغ عددها حتى الآن مئة رسالة جمعتها في كتاب بعنوان “لا أحد يدنو من روني زيلويغر”- إلى مختبر صامت لفهم كيف تتقاطع الهوية مع الصورة، وكيف يتسرب القلق إلى الأداء، وكيف تصبح “خفة الكائن” جزءا من اللغة نفسها التي يصنع بها النص المعنى.
ومع ذلك، أدعي بأن الانفتاح على شخصية مثل “روني زيلويغر” ليس افتتانا بالنجومية كما قد يتبادر إلى الذهن، لأنها تحضر في الرسائل كصورة متكسرة لامرأة أخرى، وهذا يتكرر في الكثير من كتاباتي بوجوه مختلفة، وأحيانا متقاطعة. ما جذبني إلى “زيلويغر” هو هذا التناقض بين الحضور الطاغي والفراغ الداخلي. تلك الأنوثة المرهقة والهشة، والتي لا يمكن تحويلها إلى عرض دائم. “زيلويغر” ليست هي كاترين زيتا جونس أو دومي مور أو سكارليت جوهانسون أو جينا أورتيغا أو مارغوت روبي أو كيت وينسلت.. إلخ. حضورها في الفيلم، كما في الرسائل، لا يقوم على صورة مكتملة قابلة للتسويق المستمر، ولا على كاريزما جاهزة تُستهلك بسهولة، وإنما على هشاشة مرئية وارتباك داخلي يتسرب إلى أدائها. فهي غالباً ما تستفزني بقدرتها على تحويل الصمت إلى لغة كاملة. نظرتها المرتبكة، ابتسامتها التي تبدو كأنها نجت من انهيار داخلي، كل ذلك يمنحني مادة خاماً لبناء شخصيات تعيش على حافة الانكسار دون أن تسقط فيه تماماً.
في الكثير من قصصي، وبحكم اهتمامي الكبير بالسينما، هناك شخصيات سينمائية وأفلام ومخرجون وممثلون، ولذلك فإن حضور زيلويغر ليس أمراً غريباً. فهي لا تظهر بوصفها ممثلة فحسب، بل ككائن سردي يتسلل إلى النص مثل ظلّ يختبر حدود الواقع والخيال معاً. ذلك أن الممثل أو المخرج أو الكاتب حين يدخل المشهد النصي، تتكسر المسافة بين الشاشة والورق، ويصبح القارئ كأنه يجلس في قاعة عرض معتمة، يراقب الكلمات وهي تتحول إلى لقطات، والجمل إلى حركات كاميرا بطيئة تتأمل الوجوه قبل أن تلتقط ارتعاش الأرواح.
لم أستدع زيلويغر وحدها فقط في نصوصي، هناك جون مالكوفيتش، شارلي شابلن، تارانتيتو، جيم جيرموش، أندرسون، مارغاريت دوراس، أنيس فاردا.. وغيرهم. هؤلاء جميعاً يشكلون، داخل قصصي، ما يشبه العائلة الجمالية الممتدة. إنهم يفتحون للنص منافذ جديدة للرؤية، فيصبح السرد، تبعا لذلك، أشبه بمونتاج داخلي تتجاور فيه الأزمنة والمرجعيات.
بعد هذا المسار القصصي المشحون بالأسئلة والقلق والتجريب، ما الذي تخشاه في الكتابة؟ الصمت، التكرار، أم أن تتحول القصص إلى أجوبة بدل أن تظل أسئلة مفتوحة؟
لا يمكن للقصص أن تكون جوابا على أي شيء، لأن الكتابة كما أفهمها تقوم على صيغ غير مُطْمئنَّة. ولهذا أحرص على التعامل معها كمنطقة شك، لأن حقنها بمقدار من الحذر والارتياب والتفخيخ والتثغير هو ما يدفعها إلى الاستمرار. فإذا فقدت القصة قدرتها على طرح الأسئلة، وعلى التفكير والبحث والحركة، ستموت، أو على الأقل ستشيخ وتتغضن وترتخي. ما يجعلها حية على الدوام هو التوتر، فضلا عن العمل المستمر من أجل إنتاج موجات من الاهتزاز بين المتاح وما ينبغي القبض عليه.
القصة في رأيي هي “استعارة الارتباك الكبرى”. فهي لا تمنحنا سوى معنى مؤقت ينبغي قتله باستمرار لفسح المجال أمام معان أخرى. هكذا أفهم القصة: الاشتغال اليقظ لصنع المتاهات، وتحويل الحكايات إلى خريطة مؤقتة للنجاة من المينوتور. يمكنك أن تجد هذه الخاصية في كل أعمالي تقريبا. لا أحصر القصة في قوالب جاهزة، ولا في أحكام مسبقة، ولا تهمني التوقعات المسبقة.
أعمل فقط من أجل إبقاء التصدع والارتباك، على مستوى اللغة والبناء والحبكة، وحتى على مستوى “الشيء القصصي”. لهذا، أعتقد أن خوفي الحقيقي يكمن في اللحظة التي يصبح فيها نصي مريحا جدا، وواثقا، ولا يعاني من أي شقوق أو جروح. الكتابة حالة من الالتباس إذا تلاشى ينهار النص، وتنهار أسباب وجوده. ربما لهذا السبب، اخترت بكل وعي أن أمارس الكتابة تحت يافطة “القصة البحثية” التي لا تسعى إلى تمثيل الواقع أو إعادة صياغته فحسب، بل أصبح البحث في النص نفسه، وفي طبقاته وترسباته، وسيلة لفهم الذاكرة، والتاريخ، والعلاقة بين اللغة والمعنى، كما أصبح مساحة نقدية يلتقي فيها البحث السردي بالتفكير النقدي والجمالي.
