اخبار المغرب

قرار الاعتراف بزواج مثليي الجنس يثير جدلاً وتوترا داخل بلدان الاتحاد الأوروبي

أثار قرار محكمة العدل الأوروبية، هذا الأسبوع، موجة جديدة من التوتر داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما قضت أعلى هيئة قضائية في التكتل بوجوب اعتراف الدول الأعضاء بالزواج المدني للأزواج من الجنس نفسه، إذا تم عقده بشكل قانوني في أي دولة عضو أخرى. ورغم أن القرار لا يُجبر دول الاتحاد على تقنين زواج المثليين، فإنه يفرض عليها الاعتراف به قانونيًا كوثيقة صادرة عن دولة عضو، عند تنقل الأزواج المعنيين داخل فضاء الاتحاد.

ويستند القرار إلى مبدأ حرية التنقل والإقامة، الذي يُعد أحد أعمدة الاتحاد الأوروبي؛ إذ اعتبرت المحكمة أن رفض بولندا الاعتراف بالزواج المبرم في ألمانيا بين مواطنين بولنديين، يشكل خرقًا لحقهما في المساواة القانونية والتنقل بحرية داخل التكتل.

لكن الحكم، رغم طابعه القضائي، يعيد طرح الأسئلة القديمة ذاتها حول حدود سيادة الدول الأعضاء مقابل قرارات المؤسسات الأوروبية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالقيم الاجتماعية والدينية، والتي تختلف جذريًا بين دول أوروبا الغربية والشرقية.

ويرى مراقبون أن القرار لا يُلزم بولندا أو سلوفاكيا أو رومانيا أو هنغاريا – وهي دول لا تعترف بزواج المثليين – بتغيير قوانينها الداخلية. إلا أن الاعتراف القسري بالوضع المدني المترتب على هذا الزواج، عندما يُبرم خارج البلاد، يطرح إشكالات قانونية وإدارية غير مسبوقة في هذه الدول.

فمن جهة، يُفترض أن تُعامل هذه الوثائق معاملة نظيراتها الخاصة بالأزواج المغايرين، سواء في ما يتعلق بالرعاية الصحية أو الضرائب أو السكن أو الحقوق الاجتماعية. ومن جهة أخرى، يعتبر بعض الفاعلين القانونيين أن القرار يفرض واقعًا قانونيًا مستوردًا لا يتماشى مع البنية التشريعية الوطنية، ما يضع الحكومات أمام معضلة التنفيذ دون تقنين.

ولا تبدو القضية البولندية الحالية معزولة. ففي عام 2018، أصدرت المحكمة الأوروبية حكمًا مشابهًا في قضية رومانية، حين طلب مواطن روماني وزوجه الأمريكي الاعتراف بزواجهما الذي أُبرم في بلجيكا، بهدف الحصول على إقامة في رومانيا. وعلى الرغم من صدور الحكم، رفضت السلطات الرومانية تطبيقه، ما دفع الزوجين إلى التوجه لاحقًا إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

هذا النمط من الممانعة يعكس، وفق مراقبين، خللاً في آليات التنفيذ القضائي داخل المنظومة الأوروبية، خصوصًا في ملفات تقع عند تقاطع القانون والدين والمجتمع.

ويأتي القرار في سياق توتر متصاعد بين بروكسل وعدد من العواصم ذات التوجه المحافظ، لا سيما بولندا وهنغاريا، على خلفية قضايا تتعلق باستقلال القضاء وسيادة القانون والحريات الفردية. وتبدو محكمة العدل الأوروبية، من خلال هذا الحكم، حريصة على توسيع نطاق “الاعتراف المتبادل” داخل الاتحاد، ليشمل ليس فقط السلع والخدمات، بل حتى الروابط القانونية والاجتماعية.

لكن هذا التوجه قد يفاقم الاستقطاب داخل التكتل، خاصة أن بعض الحكومات تعتبر مثل هذه الأحكام تدخلاً مباشرًا في الشؤون الاجتماعية الوطنية، التي لا تزال تُصنف – قانونيًا وسياسيًا – ضمن اختصاص الدول لا المؤسسات فوق الوطنية.

ويعيد الحكم طرح تساؤلات متجددة حول الدور الذي تلعبه محكمة العدل الأوروبية في إعادة تشكيل البيئة القانونية والسياسية للدول الأعضاء. فبينما ترى مؤسسات الاتحاد أن هذه القرارات أداة لضمان توحيد المعايير، يعتبرها آخرون وسيلة لفرض نماذج ثقافية بعينها على مجتمعات تتمسك بخصوصياتها.

ويرى مراقبون أنه في ظل غياب آليات تنفيذ فعالة، ومع وجود سوابق في عدم الامتثال، من غير المرجح أن يُطبق الحكم بسهولة في بولندا. ومن المحتمل أن تندلع جولات جديدة من الطعون القضائية أو المواجهات القانونية، وربما تتوسع إلى صدام سياسي داخل أروقة الاتحاد.

ويؤكد هؤلاء أن ما حدث في قضية الزواج المدني بين المواطنين البولنديين في ألمانيا ليس مجرد نزاع إداري، بل تعبير عن تحول أعمق داخل الاتحاد الأوروبي، الذي لم يعد يواجه فقط تحديات اقتصادية أو أمنية، بل بات يخوض نقاشًا محوريًا حول مفهوم السيادة، وحدود القيم المشتركة، ومعنى الوحدة في ظل التعدد الثقافي.

ومن المتوقع أن يفتح القرار القضائي الصادر هذا الأسبوع الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر داخل المنظومة الأوروبية، حيث ستواجه الدول الأعضاء تحديًا في الموازنة بين الامتثال للنصوص القانونية الأوروبية والحفاظ على التماسك الاجتماعي في بيئات محلية محافظة، وذلك في وقت تتصاعد فيه التحديات السياسية والحقوقية داخل الاتحاد وخارجه.