اخبار المغرب

هل تسحب الإدارة الأمريكية البساط من الأمم المتحدة في مفاوضات الصحراء؟

كشف تبنّي الإدارة الأمريكية مشاورات نزاع الصحراء المغربية عن انتقال جديد في مقاربة تدبير هذا الملف، من الإطار الأممي إلى رعاية أمريكية مباشرة، مع الحفاظ على المرجعية السياسية والقانونية، وذلك في إطار قناعة واشنطن بضرورة تجاوز منطق إدارة الأزمة نحو مسار تفاوضي مُنتِج، يقوم على تحديد الأدوار والمسؤوليات وربط العملية السياسية بأفق زمني ضيق.

وتجسدت هذه المقاربة الجديدة عبر سلسلة من اللقاءات المنفصلة والمشاورات المغلقة، التي مهدت لمرحلة جمع الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع في اجتماع مفصلي بمقر سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في مدريد، برعاية مباشرة من إدارة الرئيس دونالد ترامب، وبإشراف من مستشار البيت الأبيض للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية مسعد بولس، والسفير الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، وبحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا.

وشاركت في هذه المشاورات الأولى من نوعها وفود رفيعة تمثل كافة أطراف النزاع الإقليمي، ضمت وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ونظيره الجزائري أحمد عطاف، ووزير الشؤون الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، إضافة إلى وفد من جبهة البوليساريو، في مؤشر على انتقال الملف إلى مرحلة جديدة تقوم على إشراك جميع الأطراف الفاعلة في إطار تفاوضي موحّد، برعاية أمريكية وأمام أنظار مسؤولي الأمم المتحدة.

ووفق مصادر مطلعة فقد أفضت هذه المشاورات إلى بلورة ما باتت تُعرف بـ”خارطة طريق مدريد 2026″، باعتبارها وثيقة توجيهية تؤسس للمرحلة المقبلة من المسار السياسي، انتهت بتحديد عقد جولة تفاوضية جديدة بواشنطن خلال الأشهر القليلة القادمة، لمناقشة تفاصيل العرض المغربي الجديد الذي سيُقدَّم رسميا إلى الأمم المتحدة، مع التوجه نحو التوقيع على اتفاق إطار سياسي بين الأطراف الأربعة، بما يضفي على المسار طابعا زمنيا ملزما بعد سنوات طويلة من الجمود.

ويأتي هذا التطور في أعقاب اعتماد مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2797، إذ شرعت المملكة المغربية، بتوجيهات ملكية، في إعداد صيغة محينة ومفصلة لمبادرة الحكم الذاتي، لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض.

وكان الملك محمد السادس أكد، في خطاب موجه إلى الأمة، أن هذه المبادرة تمثل الحل الواقعي والنهائي للنزاع، ما يجعل من “خارطة طريق مدريد 2026” لبنة مؤسسة لمسار تسوية سياسية مستدامة، تقود الملف من مرحلة التعقيد المزمن إلى أفق الحسم النهائي تحت السيادة المغربية.

تكتم إستراتيجي

تعليقا على هذا الموضوع قال عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن لقاء مدريد يمثل إعلانا عن مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية، ويعكس الإرادة السياسية للولايات المتحدة الأمريكية في المساهمة، إلى جانب الآليات الأممية، في إدارة هذا النزاع.

وأوضح البلعمشي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن طول أمد النزاع تحت إشراف الأمم المتحدة، وبالأخص مجلس الأمن، وصل إلى ذروته مع صدور القرار رقم 2797، الذي خلق واقعا جديدا يعكس رغبة المجتمع الدولي في الاصطفاف وراء الشرعية والمشروعية التي يتمتع بها المغرب في ما يخص القضية الوطنية الأولى للمملكة.

وبخصوص المشاورات المغلقة أكد المتحدث ذاته أن اجتماع مدريد إعلان عن دخول الولايات المتحدة الأمريكية بكل ما يفترضه موقفها، سواء من خلال القرار أو عبر أطر الإدارة الأمريكية، في الإقرار بمغربية الصحراء واعتبار مبادرة الحكم الذاتي الورقة التفاوضية الوحيدة في هذه المرحلة، لافتا إلى أن “هذا التفاعل الأمريكي يهدف أيضا إلى تجاوز البيروقراطية والإجراءات الطويلة داخل هياكل الأمم المتحدة بهدف تعزيز مسار التفاوض وإعطاء زخم إضافي للعملية السياسية”.

ونبه المحلل السياسي نفسه إلى أن الأسلوب الجديد الذي تعتمده الولايات المتحدة يرتكز على الاخبار السعودية المباشر مع الأطراف المعنية، مع انتداب مسؤولين أمريكيين لمباشرة عملية التسوية عن كثب، مشيرا إلى أن “هذه المنهجية نجحت، إذ لأول مرة منذ سنوات جلست أطراف النزاع بهذا الشكل، رغم أن المصادر الرسمية تتكتم عن تفاصيل اللقاء ومخرجاته”.

وفي السياق ذاته يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض أن سرية المفاوضات ضرورية لتجنب التأويلات وضمان رضا الأطراف عن نتائج الحوار قبل الإعلان عنها، كما تهدف إلى عدم استباق الرأي العام أو أطراف أخرى نتائج المفاوضات.

وتابع البلعمشي: “هذه المرحلة تُعد بداية لتنزيل ما تقرر في قرار مجلس الأمن رقم 2797، وتشكل فرصة لإعادة رسم أفق جديد للمنطقة المغاربية، بشكل يضمن إقرار السلم والأمن، وتجاوز مرحلة النزاع، وتعزيز التنمية لشعوب المنطقة، وتقوية الموقع التفاوضي لدولها”.

وأنهى المصرح حديثه لهسبريس بتأكيده أن الولايات المتحدة، عبر هذا الأسلوب المباشر والمنهجية الجديدة، تعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة لضمان التوازن بين الشرعية الدولية والفاعلية السياسية، ما يمنح المغرب موقعا قويا في المسار التفاوضي ويؤسس لشروط نجاح الحل السياسي النهائي في الصحراء المغربية.

معركة السردية

من جانبه سجل محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، أن ما يجري اليوم بخصوص ملف الصحراء المغربية لا يعني بالضرورة خروجه من الإطار الأممي، بقدر ما يعكس انتقاله إلى مرحلة تنفيذية أكثر صرامة داخل المرجعية نفسها.

وأضاف ماء العينين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إقصاء الأمم المتحدة من مسار التسوية، بل تتحرك باعتبارها الفاعل الدولي القادر على تحويل قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار رقم 2797، من مجرد نصوص سياسية إلى مسار تفاوضي محدد الزمن والسقف، بعد سنوات من التعثر والجمود.

وسجل الباحث في خبايا النزاع أن هذه المرحلة تفرض العودة إلى خطاب الملك محمد السادس ليوم 31 أكتوبر 2025، الذي جاء في لحظة مفصلية أعقبت تثبيت مبادرة الحكم الذاتي كأفق وحيد للحل داخل القرار الأممي، مشيرا إلى أن “الخطاب لم يُصغَ بمنطق الانتصار أو التصعيد، بل بمنطق استشراف المستقبل وفتح آفاق جديدة للعلاقات الإقليمية، وعلى رأسها العلاقة مع الجزائر”.

ونبه المتحدث ذاته إلى أن الخطاب الملكي أكد ثبات الموقف المغربي مقرونا باليد الممدودة، وبقناعة راسخة بأن استقرار المنطقة وتكاملها لا يمكن أن يتحققا إذا بُني الحل على منطق الغالب والمغلوب، وهو ما يفسر، بحسبه، “تجنب المغرب اعتماد سردية انتصارية رغم التحولات الواضحة في موازين المواقف الدولية”.

وأكد محمد الغيث ماء العينين أن الرباط تفضل ترك معركة السردية للجزائر، إدراكا منها أن الإشكال الحقيقي أصبح داخليا جزائريا، مرتبطا بعلاقة القيادة برأيها العام وبمراكز القرار داخل النظام، وشرح أن التحدي القائم اليوم أمام الجزائر يتعلق بكيفية تبرير الانتقال، بعد أكثر من خمسة عقود من التعبئة السياسية والإعلامية، إلى القبول بحقيقة أن الصحراء مغربية، وأن أي صيغة للحكم الذاتي، مهما اختلفت تفاصيلها، ستبقى بالضرورة تحت السيادة المغربية.

وخلص المحلل السياسي نفسه إلى أن هذا التحول يفسر هدوء الخطاب المغربي في مقابل التوتر الظاهر في المواقف الجزائرية، ويعكس ثقة الرباط في المسار الحالي، وفي كون الحل السياسي بات أقرب من أي وقت مضى، في ظل تراجع الأطروحات الانفصالية وانكشاف محدودية خياراتها.