اخبار فلسطين

أطفال مدرسة يانون: التعليم مؤجَّل حتى إشعار آخر

خاص شبكة قدس الإخبارية: للوهلة الأولى، تبدو كمنزلٍ ريفيٍّ قديم، قبل أن تكشف يافطةٌ صغيرة أعلى المدخل ماهيتها: مدرسة يانون الأساسية المختلطة، المقامة منذ عام 1970.

في هذا المكان، لا صفوف تقليدية ولا ساحات واسعة، بل بيتٌ قديم تحوّل إلى مدرسة بأبسط الإمكانات، ضمّ في أحضانه 14 طالبًا فقط، يتعلّمون في صفوفٍ تجميعية وفق المتاح لا الأعمار. مدرسةٌ خرجت أجيالًا، عاد بعضهم معلّمين بين أروقتها، وكان لبعضهم نصيب من الإبداع والتميّز.

في خِربة يانون، جنوب شرق مدينة نابلس، لا يُعدّ التعليم مسألة عدد أو حقًا طبيعيًا، بل فعل صمود ورسالة بقاء، حتى تبقى الخِربة عامرة بأهلها رغم كل محاولات تفريغها واحكام الخناق على أهلها.

هذه المدرسة، التي عُرفت بـ”أصغر مدرسة في العالم”، كانت في الحقيقة أكبرها معنى، قبل أن تُجبر على إغلاق أبوابها بعد تصاعد اعتداءات المستوطنين.

لم يترك المستوطنون وسيلة للتنكيل بحياة أهالي الخِربة إلا واتبعوها؛ فصودرت الأراضي وحرثت عنوة، ونُصبت الحواجز، وفُتشت العائلات على مداخل بيوتها، وحُرمت المواشي من الغذاء، وقُطعت المياه، في محاولةٍ ممنهجة لخنق الحياة ودفع السكان إلى الرحيل. هذا الواقع أدى إلى إغلاق المدرسة أيضًا، بعد مغادرة الأهالي أراضي الخِربة قسرًا.

ورغم ذلك، أدّى المعلّمون الأمانة حقّها، وحملوا أطفالهم معهم من القرى المجاورة إلى مدرسة خِربة يانون، في سبيل إعمارها ودعم صمودها.

يقول مدير المدرسة، أيمن أبو شهاب، إنّ ما تعرّض له المعلّمون والطلبة ترك أثرًا نفسيًا عميقًا، إذ بات الخوف والتوتر يرافقان فكرة الدوام في أي مدرسة يمرّ الوصول إليها عبر حواجز الجيش، بعد تعرّضهم لعمليات تفتيش مهينة نُفذت أمام الطلبة. ويضيف أنّ أحد الطلبة أصيب بحالة رجفة شديدة من شدّة الخوف، في مشهد يعكس حجم الضغط النفسي الذي يعيشه الأطفال.

وعلى الصعيد التعليمي، يوضح أبو شهاب أنّ التحدي الأكبر يظهر عند انتقال الطلبة بعد الصف السادس إلى مدارس أكبر، حيث يُفاجأون بشُعب تضم ما بين ثلاثين إلى خمسةٍ وثلاثين طالبًا، بعد أن اعتادوا على بيئة تعليمية محدودة العدد. ويؤكد أنّ هؤلاء الطلبة يحتاجون إلى فترة طويلة للتأقلم مع الأعداد الكبيرة والدخول في أجواء المدرسة الجديدة.

ويشير مدير المدرسة إلى أنّه، وللتخفيف من رهبة انتقال الطلبة إلى المدارس الأكبر بعد الصف السادس، وما يرافقها من أعداد طلابية كبيرة، جرى العمل بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم على تنفيذ محاولات دمج تدريجية. وشملت هذه المحاولات تنظيم زيارات ودورات تعريفية للطلبة في مدارس القرى المجاورة، بهدف مساعدتهم على التعرّف إلى البيئة التعليمية الجديدة، وكسر حاجز الخوف، وتسهيل عملية التأقلم قبل انتقالهم الرسمي إلى تلك المدارس.

ويضيف أنّه ورغم كل الصعوبات، فإنّ عددًا من الطلبة الذين بدأوا تعليمهم الأساسي في مدرسة يانون منذ الصفوف الأولى، واصلوا دراستهم حتى المرحلة الجامعية، وعاد بعضهم اليوم ليعملوا معلّمين في المدرسة ذاتها، مؤكدًا أنّ المدرسة تشكّل جزءًا من هوية المكان.

كما يؤكد أبو شهاب أنّه والمعلمين على أتم الاستعداد للعودة إلى مدرستهم التي اعتادوا استقبال الصباح بين أروقتها، مشيرًا إلى أنّه في حال عودة سكان الخِربة إلى منازلهم التي اضطروا لإخلائها قسرًا، سيعود المعلّمون لمباشرة عملهم والصمود مجددًا في المدرسة، لافتًا إلى أنّ وزارة التربية والتعليم تؤكد دعمها لضمان استمرار تقديم الخدمة التعليمية لأطفال أهالي الخِربة.

يأمل أهالي الخِربة أن يعودوا إلى منازلهم مجددًا، وإلى فلاحة أراضيهم التي تركوها قسرًا، فيما يأمل معلّمو المدرسة أن تفتح أبوابها لهم ولطلبتهم، وأنً تعود الوردة الجورية في ساحة المدرسة للنمو من جديد؛ تلك الوردة التي عاصرها الطلبة، قبل أن يعودوا معلّمين بين الجدران نفسها، تعرفهم وتعرف ملامحهم، تسمع قصصهم وتشهد على أنشطتهم، يبست أغصانها قبل أيام قليلة من إغلاق المدرسة، وستكبر وردة النرجس في شتاء يانون في ساحاتها كما اعتادت، فهل ستعود أيادي الطلاب والمعلمون للتهافت على قطاف أزهارها المبللة بالمطر مثل كل مرة؟