منوعات

فلسفة الخيط والموج: نصف قرن في مدرسة البحر مع غسان المزيدي

بقلم/ غسان صالح المزيدي

هناك من يرى في الصيد مجرد محاولة لاقتناص سمكة، وهناك من يدرك — بعد خمسين عاماً — أن الصيد هو درسٌ متجدد في الحياة والتأمل. البحر بالنسبة لي لم يكن يوماً مساحة من الماء، بل كان معلماً صامتاً، تلقيت على شواطئه دروسي الأولى من آبائي وأجدادي، وما زلت حتى اليوم أقف أمام أمواجه بقلب الهاوي وشغف التلميذ.
العقير.. حديث الروح مع الساحل
على سيف بحر العقير الجميل، أجد نفسي دائماً. هناك، حيث يمتزج صمت الشاطئ بهدير الموج، تتجلى متعة الحداق الحقيقية. في تلك المياه الشرقية الدافئة، تعلمنا كيف نقرأ البحر وكيف نفهم سلوك أسماكه؛ من “السبيطي” الحذر الذي يختبر صبر الصياد وذكاءه، إلى “الشعم” و”الهامور” و”البدح”، وكل خيرات الساحل التي لا تجود إلا لمن يقدر قيمتها ويحترم أوقاتها.

لغة البحر.. مواسم وأدوات

الصيد حوار بلغة لا يفهمها إلا أهل الخبرة. البحر يتحدث بالمواسم؛ فلكل زمن زواره، ولكل سمكة وقتها. للكنعد موسمه الذي يشعل حماس الصيادين، وللسبيطي أيامه التي تتطلب الحكمة.
وحتى خيط الصيد والقصبة، لهما لغتهما الخاصة:
• قصبة الحداق: هي خيط الوصل مع أعماق القاع، لنقتفي أثر الأسماك القاعية القريبة من السيف.
• قصبة الكاست (Cast): هي فن الحركة والسرعة، لاصطياد الأسماك السطحية التي تعشق المغامرة.
إنها أدوات بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها مهارة سنوات طويلة من التجربة والخطأ والشغف.

“يوميات حداق”.. أمانة الموروث ونقل الخبرة

حين بلغت هذه الرحلة عامها الخمسين، شعرت أن الزكاة الحقيقية لهذه الخبرة هي مشاركتها. من هنا أطلقت حساب “يوميات حداق”، ليكون جسراً بين الماضي والحاضر. أسعد كثيراً عندما أرى المتابعين الجدد، من الشباب والأجيال الواعدة، يتعلمون أصول هذه الرياضة الأصيلة، سواء كانوا يعشقون الصيد من فوق متن القوارب أو يحبون الجلوس على السيف.
الصيد ليس مجرد هواية نُضيع بها الوقت، بل هي رياضة تُهذب النفوس، وتعلم الصبر، وتربطنا بأصالة جذورنا. وسأظل بإذن الله أمارسها وأعلمها لكل من يحب البحر، فما أجمل أن تعيش شغفك، وما أروع أن تترك أثراً يُنتفع به.